يعود ميدان التحرير في مصر لواجهة الحدث مرة أخرى بعد شهور تراوحت فيها المفاوضات بين الأحزاب والقوى السياسية مع المجلس العسكري دون أي نتيجة تذكر، بل تمخض عنها خلاف عميق بين المجلس العسكري وجماعة الإخوان المسلمين بعد أن كانت كل المؤشرات تشير إلى أن الجماعة وصلت لاتفاق مع المجلس، وهو الاتفاق الذي سير الحركة السياسية في مصر خلال الفترة الماضية، وكان بالنسبة للقوى الشبابية والثورية الطعنة التي وجهت للثورة وقتلت روح ميدان التحرير.
عودة المظاهرات المليونية والضغط الشعبي ليس بالضرورة عودة الثورة كما كانت بقدر ما هي نقلة سياسية جديدة في العلاقة بين الأطراف الفاعلة في مصر اليوم، فالميدان يمثل في عمقه طاولة مفاوضات مفتوحة مع المجلس العسكري بدلا من القاعات خلف الأبواب المغلقة، وهذا الانتقال إلى الميدان الذي عاد الإخوان المسلمون له هو اعتراف ضمني بأن شرعية الميدان والثورة لا تزال أقوى وأقدر على تحقيق المطالب من المفاوضات السياسية خلف الأبواب المغلقة، ولكنه انتقال يأتي في وقت تمر فيه مصر بالعديد من التحديات وفي وقت تسببت فيه أخطاء الفترة الماضية بالكثير من الضرر لمصر، ربما سيكون من الصعب على الميدان اليوم رأبها.
مطالب مظاهرة الجمعة في مصر كانت عامة، وأهمها الإصرار على تسليم السلطة في موعدها، وهو أمر يعبر عن وجود إحساس بالشرخ السياسي أكثر مما يعبر عن مطالب سياسية محددة، فما وحد القوى السياسية المختلفة في مظاهرة الجمعة هو الإحساس بالحاجة للعودة إلى الميدان دون أن يكون هناك توجه سياسي موحد مع أهداف ومطالب واضحة، وبالتالي كانت لكل مجموعة أهدافها للنزول إلى الشارع دون أن تكون تلك الأسباب متشاركة بينهم بالضرورة. إلا أن ميدان التحرير في مصر له في نهاية الأمر شرعيته الصادرة من كونه تعبيرا عن الشارع، لذلك ورغم تنوع الأهداف إلا أن الوضع السياسي المحتقن وعودة ميدان التحرير ليصبح جزءا فاعلا في المشهد السياسي المصري لا بد أن يتمخض عنه تطور في الفترة المقبلة، وستكون إدارة هذه المرحلة في غاية الحساسية.
الحل الوحيد الذي يظهر الآن لكي تعبر مصر من هذه الأزمة هو إقامة الانتخابات الرئاسية في موعدها على أن تكون هناك فترة انتقالية أخرى تحت إشراف رئيس مدني.