لعلها المرة الأولى في تاريخ لبنان وتاريخ مجلس النواب فيه وتاريخ الجلسات النيابية العامة أن يصل طالبو الكلام إلى أكثر من خمسة وسبعين نائباً! قلنا إنه موسم الإنتخابات لكننا لم نقُل إن الإنتخابات على الأبواب، فهل كان للنقل التلفزيوني المباشر السبب في ارتفاع عدد طالبي الكلام إلى هذا الرقم الهائل؟
وكم من الأيام ستستغرقها الجلسات بعدما كان رئيس المجلس نبيه بري قد حدَّد ثلاثة أيام لها؟
الأفضل أن يتحدَّث كل هذا العدد لأنه بهذه الطريقة وحدها يمكن إظهار بعض المتكلمين على حقيقتهم، فبعض هؤلاء النواب لا أحد من الناس يشعر بوجودهم على مدى طول الولاية التي هي أربع سنوات، فيغتنمون مواسم الجلسات النيابية العامة ليظهروا أمام ناخبيهم أولاً وأمام الرأي العام أخيراً لأن الأولوية بالنسبة إليهم هي ناخبوهم، فما يُعتدُّ به هو ما يسقط في صندوقة الإقتراع وليس ما يدخل إلى العقول.
ثم هناك أمرٌ في غاية الأهمية ويستلزم متابعة دقيقة:
نواب 8 آذار لم يجدوا ما يدافعون به عن الحكومة الحالية فراحوا يهاجمون الحكومات السابقة!
غريبٌ عجيبٌ هذا المنطق، فالجلسات هي لمناقشة هذه الحكومة فكيف يُحوِّلها بعض السادة النواب إلى جلسات لمحاسبة الحكومات السابقة؟
لو كانت تلك السابقة ما زالت قائمة لكان بالإمكان مناقشتها لكنها سقطت وقُضي الأمر فلماذا ملاحقتها بعد سقوطها؟
هل لأن أكثريي اليوم ليس لديهم شيء يدافعون فيه عن الحكومة سوى مهاجمة سابقاتها؟
إن منطق محاسبة الماضي بدل مناقشة الحاضر يُفضي إلى النتيجة الكارثية التالية:
بإمكان الوزير، أي وزير، أن يتقاعس عن القيام بدوره غير عابئ بما يمكن أن يُوجَّه إليه من انتقادات، فبكل سهولة بإمكانه أن يرد:
أنظروا ماذا فعل سلفي.
إن هذا المنطق يبرر العجز ويُعطيه أسباباً تخفيفية، فلماذا لم تكن تُعطى أسباب تخفيفية لمن سبقهم فيما تُعطى أسباب تخفيفية لهم؟
إن الدفاع عن الحكومة لم يعد يجدي، فالجميع يعرفون كيف قامت وكيف تستمر، وفي موازين القوى اليوم لا تحتاج إلى مَن يدافع عنها من النواب لأن حمايتها من خارج مجلس النواب.
لكن من المفيد مساءلتها ليكتشف الرأي العام أنه موجود على رغم كل الأخطاء التي ارتكبتها، وعلى رغم كل التقصير الذي أوقعت المواطن أولاً ونفسها فيه. أما النتيجة السيئة جداً فإن الحكومة، وبعد مساءلتها على مدى ثلاثة أيام فإنها ستعود إلى ما كانت عليه من أداء سيئ غير عابئة بمساءلة أو محاسبة لأنها تكون قد تجاوزت قطوع الجلسة النيابية العامة.
هكذا تكون الصورة السياسية في البلد على الشكل التالي:
حكومة تحكم من دون قدرة على محاسبتها.
مجلس نواب يناقش ولكنه لا يستطيع طرح الثقة بالحكومة، فتكون النتيجة حكمٌ من دون رقابة، فيه من الأخطاء أكثر مما فيه من الإنجازات.