باتت الحرب التي تدور على الحدود بين السودان وجنوب السودان مرشّحة إلى التحوّل إلى حرب شاملة بين البلدين بإصرار حكومة جنوب السودان على عدم الانسحاب من منطقة "هجليج" النفطية التي احتلتها قبل أسابيع قليلة بدعوة الرئيس السوداني عمر البشير إلى "تحرير" جنوب السودان من الحركة الشعبية. وقوله: إن هناك خيارين إمّا أن ننتهي في جوبا أو ينتهوا في الخرطوم، وحدود السودان القديمة لا تسعنا نحن الاثنين.

لقد فشلت حتى الآن جميع المساعي الدولية التي بُذلت لنزع فتيل الأزمة وإقناع الطرفين على العودة إلى طاولة المفاوضات والحوار نتيجة لتعنّت حكومة جنوب السودان ورفضها الانسحاب من منطقة "هجليج" النفطية التي تدّعي تبعيّتها لها.

لقد أدانت دولة قطر اعتداء دولة جنوب السودان على أراضي جمهورية السودان واحتلالها منطقة "هجليج" الواقعة داخل حدود جمهورية السودان بموجب اتفاقية السلام الشامل في نيفاشا عام 2005 وقرار محكمة التحكيم الدولي في لاهاي عام 2009.

كما تُشكّل دعوة مجلس الوزراء القطري حكومة دولة جنوب السودان للانسحاب الفوري وغير المشروط من منطقة "هجليج" حقنًا لدماء المواطنين السودانيين في البلدين واحترامًا للاتفاقيات والمواثيق والقوانين الدولية مخرجًا حقيقيًّا للأزمة التي تُهدّد بإشعال حرب جديدة قد تستمرّ لأعوام طويلة يدفع ثمنها المواطنون في البلدين.

إن انسحاب حكومة جنوب السودان من" هجليج" سيسمح بنزع فتيل التوتر بين البلدين ويُهيئ الأجواء من أجل استئناف المفاوضات لحلّ القضايا العالقة بين الطرفين ومن ثمّ إقامة علاقات راسخة ترتكز على مبادئ السلام والإخاء والاحترام المتبادل والمصالح المشتركة للشعبين.

على حكومة جنوب السودان التي قامت باحتلال "هجليج" وتُصرّ حتى الآن على عدم الانسحاب منها أن تُدرك أن المجتمع الدولي لا يُمكن أن يقبل مبدأ احتلال أراضي الغير بالقوّة وأنها ستجد نفسها معزولة إقليميًّا ودوليًّا ومهدّدة بفرض عقوبات اقتصادية وسياسية عليها إن واصلت احتلال "هجليج" واستمرت في سياسة إشعال الأزمات مع جارتها السودان.

إن أزمة "هجليج" تُهدّد من جديد بعودة الحرب مجدّدًا بين الشمال والجنوب وهي الحرب التي توقّفت بعقد اتفاق نيفاشا وبالاستفتاء الذي انتهى بانفصال جنوب السودان بعد أن دفع مواطنو البلدين ثمنًا غاليًا نتيجة الصراع الذي استمرّ عقودًا طويلة وأسفر عن ملايين الضحايا بين قتيل وجريح ولاجئ وتسبّب في تأخّر عجلة التنمية في البلاد.

نزع فتيل الأزمة يكمن في استجابة حكومة جنوب السودان للنداءات الدولية وانسحاب قوّاتها من "هجليج" والعودة واحترام حدود 1956 التي رُسمت عند استقلال السودان عن بريطانيا والعودة إلى طاولة المفاوضات لترسيم الحدود النهائية بين البلدين التي تضمن حقوقهما بالتراضي.