اثبتت اسرائيل مرة اخرى امس بطريقة تعاملها مع المتضامنين الاجانب الذين وصلوا الى مطار اللد للتضامن مع فلسطين، عبر عزلهم فور وصولهم واحتجازهم ومصادرة حواسيبهم وكاميراتهم وهواتفهم الخلوية واقتياد جزء منهم الى احد المعتقلات وطرد جزء اخر، اثبتت مجددا بما لا يدع مجالا للشك انها في صدام مباشر مع مبدأ حرية التعبير ومع جزء على الاقل من الرأي العام العالمي الذي يدين سياساتها وممارساتها بحق الشعب الفلسطيني، تماما كما اثبتت ان حقوق الانسان لا تعنيها من قريب او بعيد وان اسلوب تعاملها مع نشطاء سلام وصلوا وهم عزل لا يحملون بنادق او متفجرات، من العديد من دول اوروبا، يؤكد انها تخش هذا الانحياز الواضح لنشطاء السلام الذين قدموا للتضامن مع فلسطين، كما تخش كل صوت داعم للحرية والعدالة وانهاء احتلالها غير المشروع للاراضي الفلسطينية .
عجيب امر اسرائيل التي طالما فاخرت بانها دولة تشارك الغرب قيم الحرية والديمقراطية وحقوق الانسان، لتكتشف مجموعة من ابناء هذا الغرب امس ان الحرية التي تريدها اسرائيل او تؤمن بها هي حرية اولئك الذين يدعمون احتلالها غير المشروع واستيطانها ومصادرتها حقوق شعب باكمله حيث نستقبلهم بالذهاب وتفتح صالات مطارها امامهم وتستضيفهم وتنظم لهم جولات في طول البلاد وعرضها بما في ذلك جولات في المستوطنات غير الشرعية التي اقيمت على اراضي الفلسطينيين .
كما ان الديمقراطية التي تؤمن بها اسرائيل هي تلك المنظومة التي تسمح ليمينها المتطرف بفعل ما يحلو له وقول ما يشاء غاضة الطرف عن عدوان مستوطنيها المتواصل على المدنيين الفلسطينيين العزل وفي نفس الوقت تلاحق كل صوت يقف ضد احتلالها وممارساتها بما في ذلك التضييق على تلك المجموعات اليسارية الاسرائيلية التي ترفض الاحتلال وتدين ممارساته الى درجة سن قوانين لملاحقتها .
واذا كانت اسرائيل قد اثبتت امس انها ضد حرية المتضامنين الاجانب في التعبير عن رأيهم وضد حرية تنقلهم دون اي مبرر ودون اي تهديد لامنها، فانها بذلك تثبت للغرب ان حقوق الانسان الخاصة بحرية التعبير وحرية التنقل لا تعنيها، بعد ان انتهكت على مدى عقود طويلة وحتى اليوم حقوق الانسان الفلسطيني.
وحسنا فعل المتضامنون الاجانب بقدومهم امس في رحلات جوية الى مطار اللد لتظهر اسرائيل بسياستها المتشددة ومحاولتها اخفاء عورة احتلالها، لتظهر بكامل عريها امام الرأي العام العالمي الذي اكتشف مرة اخرى ان الشعارات التي ترفعها اسرائيل شيئ يختلف تماما عن حقيقة ممارساتها على الارض وان هذه الممارسات تذكرنا باكثر الانظمة ظلامية وبعدا عن الديمقراطية والحرية وحقوق الانسان.
واذا كانت اسرائيل قد نجحت بشكل جزئي في الضغط على بعض الحكومات الاوروبية وشركات الطيران لمنع نقل المتضامنين الاجانب، فان نجاح العشرات وربما المئات منهم في الوصول امس يؤكد فشلها الذريع في فرض سياسة تكميم الافواه وفي ملاحقة الاصوات الحرة الرافضة لاحتلالها وممارساتها .
والسؤال الذي نطرحه هنا على كافة الحكومات الغربية التي منعت اسرائيل امس مواطنيها من ممارسة حقهم في حرية التعبير عن مواقفهم ومنعتهم من الدخول، هل ستجرؤ على محاسبة اسرائيل على هذه الممارسات التي اقل ما يقال فيها انها انتهاك فظ لحقوق الانسان؟
وما الذي كانت ستفعله اسرائيل لو ان حكومة اوروبية قامت بمنع مجموعة يهودية قادمة من اسرائيل الى اوروبا للترويج للاحتلال والاستيطان ولتنظيم مؤتمرات لتأييد حكومة اسرائيل ؟
لا نشك للحظة ان اية حكومة اوروبية ما كانت لتمنع مثل هؤلاء من الدخول الى اراضيها والتعبير عن ارائهم بكل حرية رغم ان آراء كهذه هي فعلا التي يجب على المجتمع الدولي وعلى اوروبا التي ترفع لواء حقوق الانسان وتؤمن بمبادئ العدل والحرية ان تقف في مواجهتها لا ان يقف الاحتلال الاسرائيلي في مواجهة ذوي الضمائر من الاوروبيين المدافعين عن الحرية والعدل وحقوق الانسان .
انها فرصة جديدة لاوروبا كي تعيد النظر في الكثير من مواقفها بعد ان اهانت اسرائيل مواطنيها على هذا النحو، بل اهانت المجتمع الدولي بأسره كما اهانت مواثيقه واعلانات حقوقه ومعاهداته .