في مهمة تعد هي الأصعب.. بدأ فريق المراقبين الدوليين أمس مهامه في سوريا للتحقق من وقف إطلاق النار الذي بدأ تطبيقه الخميس الماضي ويشهد سلسلة خروقات يومية تثير قلقًا لدى المجتمع الدولي. ويفترض أن يكون هؤلاء مقدمة لأكثر من 250 مراقبًا يتم إرسالهم لاحقًا.
بداية لا بد من الاعتراف أن هؤلاء المراقبين الدوليين تواجه مهمتهم تحديات هي في غاية الخطورة وذلك يرجع إلى عدة أسباب منها:
أولًا: في حالة تحرك المراقبين دون تنسيق مع الحكومة السورية، بحيث يملكون قرار تحركهم متى وكيف وأنى شاؤوا، حينها ستعتبر الحكومة السورية نفسها في حل من المسؤولية فيما سيصيبهم وما قد يتعرضون له من أخطار، وطبعًا هذا من حقها. صحيح أن هؤلاء المراقبين بدأوا مهمتهم بفتح مقر رئيسي لهم والاتصال بالحكومة السورية وقوات المعارضة لكي يفهم الطرفان بشكل كامل دور المراقبين الدوليين، لكن تبقى تحركاتهم غير مضمونة إلا بتنسيق مع السلطات السورية باعتبارها تمثل السيادة الوطنية على الأراضي السورية. وطبعًا هذا التنسيق مع الحكومة السورية سيوفر لهؤلاء المراقبين فرص نجاح مهمتهم، صحيح أن مثل هذا التنسيق سيجلب تهمة التدخل في مهمة المراقبين من قبل الحكومة السورية،
كما حدث مع بعثة المراقبين العرب الذين كانوا يتحركون بصحبة فريق أمني سوري لتأمين الحماية الكافية لهم، حيث كِيلَ الاتهام حينذاك إلى الحكومة بأنها تتدخل في عمل المراقبين وتنتقي لهم الأماكن التي سيزورونها، أو على الأقل أنها ـ كما قيل وسيق من مزاعم ـ ترتب الأوضاع مسبقًا قبل زيارة المراقبين لعلمها المسبق بالمكان الذي سوف يزار ولكن هذه التهمة ثبت بطلانها فيما بعد.
ثانيًا: في ظل عدم وجود قيادة مركزية أو سلطة مركزية تدير المعارضة السورية المسلحة المتمثلة في الجماعات المسلحة، يزداد وضع هؤلاء المراقبين خطورة، لأن هذه الجماعات ترى أن من مصلحتها مراكمة الضغوط وحشدها ضد الحكومة السورية، بما يعزز توجهاتها الرامية نحو عسكرة التحركات الشعبية الاحتجاجية، وبالتالي ليس مستبعدًا أن تستهدف هؤلاء المراقبين الدوليين أو تستفز القوات السورية لإجبارها على الرد عليها وتصويره على أنه خرق لوقف إطلاق النار من قبل الحكومة السورية.
وما يشجع هذه الجماعات المسلحة اليوم على ذلك هو أن مواقف القوى الدولية الغربية، تناصر المعارضة السورية، وتبحث عن حجج قوية تمارس بها ضغوطًا كافية لتغيير الموقفين الروسي والصيني بما يسمح في النهاية بتبني خيارات المعارضة؛ أي التدخل العسكري وتكرار السيناريو الليبي. فبقاء هذه الجماعات المسلحة مشرذمة ودون قيادة يمثل خطورة حقيقية على عمل المراقبين، من ناحية، ومن ناحية أخرى من الممكن أن تنسف مهمة بعثة المراقبين وخطة كوفي أنان المبعوث الخاص للأمم المتحدة وجامعة الدول العربية إلى سوريا.
ثالثًا: استمرار وتصاعد حملات التحريض والدعاية والتشويش والتشويه والاتهام الإعلامية التي تشنها المعارضة السورية المسلحة والقوى المتعاطفة معها والمتبنية لخياراتها ضد المراقبين الدوليين، في سيناريو مشابه لحملات التشويه والتشويش والاتهام ضد المراقبين العرب، ما أدى في النهاية إلى إنهاء مهمتها قبل أن تكمل عملها بل يكاد قبل أن تبدأ.
ولذلك ينبغي أولًا على السوريين الراغبين في إخراج وطنهم من محنته أن يكونوا متنبهين ومستعدين لأية احتمالات غير محمودة العواقب، كما أن تكون الأطراف الدولية المتبنية للحلول السياسية والحوار الوطني، والرافضة لأي شكل من أشكال التدخل العسكري أو حتى السياسي الأجنبي، أن تكون واعية لما قد تتسبب فيه أطراف تمثل المعارضة السورية وخاصة المسلحة، ومن يتبنون رؤاها في نقل الأزمة من فشل إلى فشل، إذ إن خطة أنان بنقاطها الست وقرار مجلس الأمن بإرسال المراقبين يمثلان مخرجًا آمنًا للجميع، باعتبارها تمثل انحياز المجتمع الدولي للحل السياسي من خلال العمل على إنهاء العنف ومعاناة الشعب السوري وبدء العملية السياسية.