تحل اليوم الذكرى التاسعة على نكبة العراق التي توافق التاسع من أبريل يوم سقوط بغداد عاصمة الرشيد، مؤذنة بدخول بلاد الرافدين عامها التاسع على قيام الولايات المتحدة وحليفتها بريطانيا بشن أبشع عدوان خارج الشرعية الدولية منتهكتين القانون الدولي واستندتا في عدوانهما الغاشم واحتلالهما غير الشرعي إلى جبال من الأكاذيب والتضليل التي تمت فبركتها بعناية، وقد رمى الإعلام الأميركي والبريطاني ومعهما الصهيوني بكامل ثقله من أجل ترويج تلك الأكاذيب والفبركات، حاول غسل الكثير من الأدمغة لإقناع الرأي العام العالمي وفي مقدمته الرأي العام الأميركي والبريطاني بأن ما يبثه الإعلام نقلًا عن ألسنة السياسيين الأميركيين والبريطانيين هو الصواب ولا يتطرق إليه أدنى شك، ومن المحزن أن الإعلام العربي ساهم بطريقة أو أخرى في بث هذه الدعاية، إما بصورة عفوية أو مجبرًا أو مختارًا، ولا يلام أغلبه كونه تابعًا لأنظمة كانت تقف على مسافة بعيدة في علاقتها مع نظام الرئيس العراقي الراحل صدام حسين.
تسع سنوات تمر على العراق الذي شهد أبشع حرب قامت على كذبة اسمها "أسلحة الدمار الشامل"، وإمكان الرئيس الراحل صدام حسين استهداف أوروبا بها في غضون خمس وأربعين دقيقة، دلَّسها رئيس الوزراء البريطاني توني بلير الذي طاردته لعنة هذه الكذبة فأطاحت به وكلفته منصبه وأعطته الشهرة التي يستحقها والتي ستلازمه حتى مماته وهي "الكذاب الأشر"، لتطارد بعد ذلك هذه اللعنة أحجار الدومينو الكذابين لتسقطهم على الأرض، بعد أن انكشفت حقيقة كذبهم وفبركاتهم بخلو العراق من أي سلاح حتى السلاح التقليدي الفعال لم يكن موجودًا على أرض العراق.
تسع سنوات حري بنا أن نتوقف عندها مليًّا ونفتح مشاهدها المعمدة بالدم لنتبين ماهية تمرير أكبر جريمة حرب عرفها التاريخ، مارس الاحتلال الأنجلو ـ أميركي خلال تلك المشاهد أبشع الجرائم تنوعت بين القتل والاعتقال والتهجير القسري، فهناك خارج الحدود ملايين العراقيين من اللاجئين والمشردين، وفي داخل العراق ملايين الضحايا من الأطفال والشباب والنساء والرجال، ومن خيرة علمائها ومفكريها ومثقفيها وأطبائها، ودمر كل البنى التحتية، ولم تقتصر تلك المآسي التي جرَّعها الاحتلال الشعب العراقي على تلك المظاهر، بل بذر بذور الفتنة الطائفية البغيضة التي لاتزال تدمي العراق وتهدد بتقسيمه.
كما نصب حكومات طائفية جلبت للعراقيين الكثير من الويلات والدمار والحزن، ومن يقرأ الخريطة السياسية الحالية لبلاد الرافدين بأحزابها وسياسييها يدرك جيدًا أسباب هذه الفوضى وهذا البؤس والانحطاط التي آلت إليه الأمور في العراق، وليقف على حقيقة أن تلك الشعارات الزائفة التي سبقت الغزو وأثناءه من قبيل "نشر الديمقراطية وحرية التعبير وحماية المدنيين ورفع الظلم، والقضاء على الديكتاتورية" لم تكن سوى مبررات كاذبة وواهمة تدَغدَغ بها العاطفيون الذين يلطمون الآن ويتحسرون على تأييدهم وتسهيلهم للغزو، ويندبون حظهم على تفريطهم في ما كانوا عليه من وضع كان على الأقل يجنبهم شر المفخخات اليومية والقنابل اللاصقة والمزروعة على الطريق، ويحميهم من اقتحام المنازل والقتل على الهوية.
ولكن،على الرغم من الدمار الذي جلبه الاحتلال الأميركي للعراق، فإن المقاومة العراقية أثبتت قدرتها على إلحاق الخسائر الكبيرة وإن كانت لا تقارن بخسائر العراق المادية والبشرية، لكنها استطاعت أن تكبده الكثير وتجبره على الرحيل، ويكفي أن هذا الاحتلال ساهم بصورة مباشرة في جعل الاقتصاد الأميركي على حافة الانهيار نتيجة المقاومة العراقية الباسلة، ما ترك تجربة للتاريخ وذكرى محفورة في ذاكرة الغربي وخاصة الأميركي أن الدخول قد يكون بالطريقة والكيفية التي يريدها المحتل، ولكن الخروج بالطريقة والكيفية التي يريدها من وقع عليه الاحتلال والظلم، ولعل هذه التجربة العراقية هي التي جعلت الغرب يحسب ألف حساب للتدخل في سوريا اليوم.