تتكرر المشاهد المعبرة عن حجم الظلم والانتهاكات ضد الإنسانية التي يرتكبها الكيان الإسرائيلي المحتل ضد الشعب الفلسطيني، لا سيما في قطاع غزة المحاصر، وللأسف هذا التكرار يراد له أن يصبح مألوفًا حتى لو طال حياة الأطفال والنساء والمسنين، وهدد الحياة بأكملها بحيث لا يقتصر على البشر، طالما أن أولئك الذين يزيد تعدادهم على مليون ونصف المليون فلسطيني قالوا لا اعتراف بالاحتلال قبل الاعتراف بالحق الفلسطيني، ولا للانتهاكات والجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب، لذلك عليهم أن يعدوا أنفسهم لمصيرهم الذي بات ألعوبة بيد مجرم ومحتل إسرائيلي لا يعرف الرحمة، يتميز قلبه من الغيظ، ويمتلئ فكره كرهًا وبغضًا، ولا يملك ثقافة سوى ثقافة القتل وممارسة الإرهاب، فضميره متبلد، يتلذذ بإراقة الدماء الفلسطينية والعربية ومنظر مواكب جثث الشهداء التي أرسل إليها الموت المجاني، وبالتالي لا عجب أن تبقى مستشفيات قطاع غزة بدون كهرباء ويعيش مرضاها أوضاعًا متفاقمة بسبب تعطل الأجهزة الطبية المساعدة ويبيتون في الظلام الدامس، ولا عجب أن تتوقف 37 سيارة إسعاف عن العمل بسبب نفاد الوقود، ولا عجب أن يذهب ثلاثة أطفال في حريق سببته شمعة في غرفة نومهم بسبب انقطاع التيار الكهربائي.
إن هذا الوضع الإنساني القائم والناتج عن الحصار الإسرائيلي ليس جديدا بالطبع فهو ممتد منذ سنوات وكان النظام المصري السابق قد ساهم فيه بصورة مباشرة وفي إبقائه واستمراره، حيث كان يوظف علاقاته القائمة مع السلطة الفلسطينية وحركة حماس بما يساعد الكيان الإسرائيلي الغاصب على إطالة أمد الحصار ومفاقمة الوضع الإنساني، وقيامه بإدارة الانقسام خدمة لهذا الاتجاه، في الوقت الذي كان الغيورون ـ أو من يدعون الغيرة ـ من بني جلدتهم ينادون بنصرة الشعب الفلسطيني المحاصر وفك الحصار وفتح معبر رفح، للتخفيف من الضائقة التي يكابدها إخوانهم، وبسبب إصرار النظام المصري السابق وتماديه في مضاعفة آلام الحصار ومشاركة الاحتلال في إحكامه فقد كانت مراجل الغضب تغلي من هذا السلوك المصري الرسمي الذي يسيء إلى الشعب المصري برمته، ولكن ها هي تدور الأيام ويرحل من كان أحد مخالب القط في مأساة الشعب الفلسطيني، ويتبوأ أولئك الغيورون على الشعب الفلسطيني مراكز صنع القرار، فأصبحت كلمتهم مسموعة، ويستبشر الفلسطينيون خيرًا بهؤلاء الذين حملهم ما يسمى " الربيع العربي"، فإذا بهم يجدون أنفسهم يحصدون العلقم، فقد ذهبت تلك الشعارات والمطالب مع الريح لذلك لا نسمع اليوم حتى تلك الجعجعة وتلك المزاودات.
لقد حاول الفلسطينيون أثناء مراسم تشييع جثامين الأطفال الذين قضوا في الحريق بسبب شمعة تسليط الضوء على معاناتهم وعلى الجرائم ضد الإنسانية التي ترتكب بحقهم إلى أصحاب الضمائر من المسؤولين الدوليين والعرب الذين زعموا أنهم راعهم ما كان يجري في العراق قبل الغزو الأنجلو ـ أميركي، وما كان يجري في ليبيا قبل تدخل حلف شمال الأطلسي، وما يجري في سوريا ومحاولات إرسال ما يسمى قوات حفظ سلام وتقديم مشاريع دولية، لقد أراد الفلسطينيون حين خرجوا للتنديد بالمعاملة غير الإنسانية والحصار الجائر، أن يبينوا كيف أن ضمائر أولئك المسؤولين تفرق بين حقوق شعب وحقوق شعب آخر، وأن كفتي ميزان الحقوق لدى المنظمات والمؤسسات الدولية غير متساويتين، وبالتالي غدا نهج المواقف الدولية هو سياسة الكيل بمكيالين والنفاق، لا سيما حين يتعلق الأمر بجرائم الحرب والانتهاكات ضد الإنسانية التي يرتكبها الكيان الصهيوني، بينما أبواقها تجلجل حين يتعلق الأمر بجهة أو نظام أو دولة غير الكيان الصهيوني فتملأ ما يسمى المجتمع الدولي ومنظماته ومؤسساته ووسائل إعلامه ضجيجًا وزعيقًا.
إن سياسة الحرمان والحصار جعلت الشعب الفلسطيني بات مقتنعًا ومسلمًا أمره بأن هناك العديد من القوى الدولية تناصبه العداء بدعمها غير المحدود السياسي والمالي والعسكري للكيان الصهيوني الغاصب الذي يمارس إرهابه كل يوم، وأنها تحمل كرهًا لكل ما هو فلسطيني، إذ كيف يعقل أن تستمر معاناة شعب ما يزيد على ستين سنة ارتكبت ـ ولا تزال ترتكب ـ خلالها جرائم حرب غير مسبوقة بحقه، في حين تستنفر هذه القوى التي تدَّعي حماية المدنيين وحقوق الإنسان والحرية ونشر الديمقراطية ضد دول وأنظمة بزعم انتهاكها لحقوق الإنسان؟