لم يكد الحبر الذي كتبت به مقررات القمة العربية في بغداد يجف، حتى خرج رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي بمواقف تخالف الإجماع العربي، وتناقض كذلك موقف حزب الدعوة الذي ينتمي إليه، من نظام البعث الذي استعدى عليه الأميركيين لسنوات طوال من أجل إسقاطه في العراق، وها هو اليوم يقف مدافعا عن النظام البعثي في سورية، في "شيزوفرينيا" سياسية لا يمكن أن توجد إلا عند المالكي وأمثاله.

خطاب نوري قبل القمة اختلف كليا عن خطابه بعدها، ففي الوقت الذي كان قبل الـ29 من مارس الماضي، يحسب ألف حساب لكل كلمة يتفوه بها، أطلق بعد هذا التاريخ العنان للسانه لمهاجمة السعودية وقطر نتيجة مواقفهما الداعية لضرورة تسليح الثورة السورية ضد جرائم نظام الأسد التي لا يجدها مبررا للمطالبة بتنحيته.

مما قاله المالكي ويثير الضحك والسخرية في آن، أن نظام الأسد لن يسقط، وهو ما راهن عليه منذ بدء الأزمة السورية، ليس حبا في نظام دمشق الحالي، ولكن انحيازا لموقف الحليف الإيراني المشترك، متسائلا بعد تأكيد وجزم بقوله: "لم يسقط ولن يسقط ولماذا يسقط؟ "، متناسياً ـ في الوقت نفسه ـ أن النظام الذي استبسل في الدفاع عنه قتل حتى الآن ما يقرب من الـ10 آلاف مواطن سوري، وهو ضعف العدد الذي أباده الرئيس العراقي الأسبق في "حلبجة" الكردية، فلماذا سقط صدام ولا يسقط بشار؟

حينما ارتكب الرئيس العراقي الأسبق صدام حسين مذبحة "حلبجة" وإباد أهلها بالكيماوي سنة 1988، قامت قائمة المعارضين العراقيين منذ ذلك الوقت، وأكدوا على أن هذا النظام لا بد أن يسقط من أجل إعادة الكرامة للعراقيين، وخططوا وعملوا من أجل إسقاطه وتحقق حلمهم في عام 2003 بسواعد أميركية لا بسواعدهم، أي بتدخل خارجي، فلماذا الآن يرفض المالكي أن يكون هناك تدخل مماثل بالشأن السوري؟!

على المالكي أن ينشغل بهموم العراق الحالية، وأن ينجز ملف الوزارات السيادية الشاغرة، وأن يجد حلا لمشكلة وقف إقليم كردستان تصدير النفط لبغداد، فذلك أنجع للعراق والعرب، دون أن ينسى أن التاريخ يعيد نفسه، فجرائم بشار الأسد تجاوزت المعقول، بل تعدت في شناعتها ما أقدم عليه صدام حسين قبل 24 عاما، وآن الأوان لأن يدفع كل قاتل ثمن الدماء البريئة التي سالت دون وجه حق.