لم يعد من نافلة القول التأكيد أن هناك اجماعاً وطنياً على أهمية الحراك الشعبي السلمي، وإرادة سياسية عليا بضرورة احترام خيارات المواطنين وحقهم بالتظاهر والاعتصام سلمياً، وهو ما تأكد بتوجيهات جلالة الملك للحكومات وقوات الأمن، بضرورة الحفاظ على الحراك وحمايته، وتوفير المناخ الملائم والأجواء الصحية التي تضمن للمواطنين التعبير عن آرائهم وقناعاتهم بحرية تامة.
وخلال أكثر من سنة من عمر هذا الحراك المبارك، أثبت القائمون عليه، والمواطنون بعامة، أنهم أهل للمسؤولية، وأهل للثقة بإصرارهم على التمسك بسلمية هذا الحراك، والحفاظ على الممتلكات العامة، واحترام القانون، فلم يسجل أن كسر لوح زجاج واحد، أو قطع غصن شجرة، ما جعل من التجربة الاردنية مثالاً يحتذى في المنطقة والدول التي تخفق فيها رياح الربيع العربي.
واستطاع هذا الحراك الشعبي ان يحقق مكاسب مهمة، وكان عوناً لصاحب القرار من أجل التسريع بإنجاز الإصلاحات، حيث تم تشريع رزمة من القوانين المتعلقة بالإصلاح السياسي، من أبرزها التعديلات الدستورية، والتي تنص على إقامة هيئة مستقلة للإشراف على الانتخابات، ومحكمة دستورية، واعلاء شأن القضاء بصفته محراب العدالة، وملاذ المظلومين.. فهو بالنتيجة ملح الأرض، فإذا فسد لا يصلح شيء كما يقول السيد المسيح، كما أكدت التعديلات على فصل السلطات الثلاث، وتقديس الحريات الشخصية...الخ.
وفي هذا الصدد من المتوقع انجاز آخر حلقة من رزمة هذه القوانين، وهي قانون الانتخاب.. نهاية الأسبوع، وتحويله لمجلس النواب ليصار لمناقشته واقراره وفقاً للطرق الدستورية.
لقد أخذ الحراك الشعبي بالحوار باعتباره قيمة مهمة من قيم الحرية والديمقراطية والوسيلة الأمثل، للوصول إلى الوفاق الوطني، وتنفيس الاحتقانات.. وتصليب الوحدة الوطنية.. وخاضت فعاليات الحراك حوارات مهمة مع الحكومات أسفرت عن إقامة نقابة للمعلمين, ما يعد انجازاً وطنياً مهماً، وتجذيراً للديمقراطية الحقيقية في أرض الوطن الغالي، واستطاع هذا الحراك دفع الحكومة والجهات المعنية للتسريع بفتح ملفات الفساد، وكشف الغطاء عن متهمين كبار، طالما تدثروا بالفضيلة.
ومن هنا، فإن أية محاولة لاختطاف هذا الحراك الشعبي من قبل أية جهة مهما كانت.. هي محاولة مرفوضة لأنها تشكل خروجاً على الإجماع الوطني, وخروجاً على إرادة الطيف السياسي بكل ألوانه، وخروجاً على إرادة المواطنين، الذين ينتظمون في فعاليات هذا الحراك، وبأهداف معلنة وواضحة، وهي التسريع بتحقيق الإصلاح، ومحاربة الفساد والمفسدين، وتجذير الديمقراطية وتداول السلطة.
مجمل القول: الحراك الشعبي السلمي، حركة جماهيرية مشروعة.. وأي التفاف على هذا الحراك، أو محاولة اختطافه لتحقيق مكاسب صغيرة، من أية جهة كانت، إنما هو محاولات مكشوفة، ومرفوضة، لأنها ستقود لطعن هذه الحركة الشعبية السلمية من الخلف، وهو ما يجب التنبه اليه، والتحذير منه، وما يفرض ايضاً على جماهير الحراك أن تبقى يقظة متمسكة بسلميته.. وبأهدافه العريضة في الإصلاح ومحاربة الفساد، وكشف المتسلقين والانتهازيين.