مؤتمر من يسمون أنفسهم "أصدقاء سوريا" الذي اختتم أعماله في تركيا أمس يطرح في حقيقة أمره وانعقاده علامات استفهام مهمة وهي: هل كان من الضروري أن يعقد هذا المؤتمر في ظل خطة كوفي أنان مبعوث الأمم المتحدة وجامعة الدول العربية المكونة من ست نقاط؟ أم أن هناك هدفًا يريد أن ينجزه المؤتمرون، بما يؤدي إلى عرقلة مهمة أنان وقطع الطريق عليه في بدايتها؟
فإذا كان الأمر كذلك "أي العرقلة" فلماذا كل ذلك الجهد والدخول في مماحكات وسجالات سياسية ودبلوماسية مع مجلس الأمن والجمعية العامة للأمم المتحدة لتمرير مهمة أنان؟ وإذا كان غير ذلك "أي ليس العرقلة" فما الفائدة من عقد المؤتمر وضخ الأموال والاستنفار الأمني والإعلامي؟
إن النتائج التي خرج بها المؤتمر والتأكيدات التي جاءت في ثنايا كلمات رؤساء الدول المشاركة تعبر عن مدى كبير من التخبط الذي حملته مواقف المجتمعين، أوضحته بصورة لا لبس فيها حالة الاختلاف في الآراء والرغبات، حيث كانت واضحة حالة الانقسام بين من يؤيد الحل السياسي السلمي الذي قوامه خطة المبعوث الأممي كوفي أنان، وإصرار السواد الأعظم من الوفود المشاركة على هذا الخيار، وبين من يؤيد حب المغامرة والعسكرة، ويشجع بالتالي على العنف والقتل ويدفع باتجاه الحرب الأهلية والدمار والخراب لسوريا وشعبها، وهذا الخيار تتبناه قلة قليلة لا تتعدى تقريبًا أصابع اليد الواحدة. وتظهر حالة التخبط من خلال ما يلي:
أولًا: الاعتراف بما يسمى "المجلس الوطني السوري" ممثلًا لجميع السوريين، وفي الوقت ذاته الطلب من الحكومة السورية التنفيذ الفوري لخطة أنان، فكيف يتوافق الطلب من الحكومة التقيد والتطبيق الفوري للخطة مع سحب الاعتراف منها واعتبارها حكومة غير شرعية، بينما لا تزال العلاقة الدبلوماسية قائمة وهناك اتفاقيات وعلاقات مصالح اقتصادية وسياسية؟ ثم إن اعتبار ما يسمى "المجلس الوطني" ممثلًا لجميع السوريين، يعني أنه يشمل كل الشعب السوري بمن فيه فصائل وأحزاب المعارضة الأخرى وهو ما ليس قائمًا، حيث إن القسم الأعظم من المعارضة السورية لا تقبل بتمثيل هذا المجلس لها وخاصة تلك التي تعرف بلجان التنسيق.
ثانيًا: قول ما يسمى "الجيش السوري الحر" إنه "يرحب بخطة كوفي أنان، إلا أنه شدد في الوقت نفسه على مواصلة القتال"، فكيف يتوافق الترحيب والالتزام بالخطة التي تدعو إلى وقف الأعمال المسلحة، مع رفض وقف هذه الأعمال؟
ثالثًا: طلب نبيل العربي من مجلس الأمن التدخل في سوريا تحت البند السابع، أي التدخل العسكري، وهو الأمر الذي يتعارض مع طبيعة مهمة كوفي أنان التي توافق عليها المجتمع الدولي في إطار مجلس الأمن ذاته.
رابعًا: تأكيد وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون على عزم واشنطن على إرسال مساعدات أخرى للمعارضة السورية المسلحة من بينها معدات اتصال لمساعدة المسلحين الذين وصفتهم بـ"الناشطين" على تنظيم صفوفهم، في حين ـ وحسب مسؤولين أميركيين ـ تعمل واشنطن في سبيل زيادة فعالية العقوبات على سوريا على "إنشاء مركز لجمع المعلومات حول من يصدر السلاح والمال" إلى الحكومة السورية، وفي الآن ذاته تطالب الحكومة السورية بتطبيق خطة المبعوث الدولي.
كل تلك التخبطات تنم عن يأس بيِّنٍ قد أصاب الذين يقفون على مسافة بعيدة من الحكومة السورية، والذين لا يملكون حلولًا سوى الحلول العسكرية فقط، ففقدوا بالتالي بوصلة عقولهم، والآن يعلنون عن تلك المواقف المتخبطة لعلهم يؤثرون على الحكومة السورية ويشوشون عليها بما يجعلها ترفض تنفيذ خطة أنان أو تماطل في تطبيقها بما يسمح لهم الوصول إلى مبتغاهم، ولذلك ركزوا في مواقفهم المتخبطة على ضرورة وجود جدول زمني لتطبيق الخطة، فواضح أنهم في حالة استعجال، ومرور الزمن يفوِّت عليهم مآربهم الهدامة والجائرة بحق الشعب السوري.