بدأت الحركة الدبلوماسية العربية نشاطاتها مجددا أمس تحضيرا للقمة العربية التي تنعقد اليوم في بغداد، وذلك في أول اجتماع من نوعه يضم زعماء وممثلين رسميين للدول العربية في العراق منذ 23 عاما. وعليه فإن القمة تكتسب أهمية للعراقيين، كونها تأتي كنوع من الإثبات على عودة العراق للدائرة العربية، وقبول العرب له مرة أخرى، بعد سنوات انقطاع أسبابها معلومة لدى الجميع.

وهنا تجدر الإشارة إلى أن التطورات السياسية التي شهدها العراق بعد الغزو الأميركي وقيام الدولة العراقية الجديدة لا تزال تبعاتها قائمة إلى اليوم، وهو الأمر الذي يلقي بظلاله على هذه القمة العربية ومكان انعقادها. فالعراق اليوم لا يزال حبيس سياسات متضاربة في ظل تدخل إيراني مرفوض تماما، فكثير من سياسات الحزب العراقي الحاكم لا تزال تسير في طريق تشتيت الوحدة الداخلية واستثمار التصدع في البنية العراقية، بدلا من العمل فعلا على أن يكون العمل في العراق منصبا على الصالح العربي.

العراق اليوم متأثر بالنفوذ الإيراني الذي يحاول أن يخلق له مجالا حيويا في البلاد، ليقوم من خلاله بتمرير أجندته الإقليمية التوسعية. ولا تزال جهود العراقيين نحو مواجهة هذا النفوذ الإيراني أقل من المطلوب، مما يضع كثيرا من علامات الاستفهام حول هذه القمة ومدى فاعليتها وأهميتها في ظل الظروف الراهنة.

العراقيون بإصرارهم الذي سبق انعقاد القمة على أن تكون في بغداد، ولو حتى لمدة ساعات، أرادوا أن يؤكدوا على الرمزية الكبيرة لانعقادها في العاصمة.

 وبعيدا عن مجرد رمزية القمة فإن العراقيين مطالبون، ومن خلال رئاستهم لمجلس جامعة الدول العربية خلال هذه الدورة بكثير من الخطوات الحقيقية على الأرض، فهذه الدورة ستشكل المعيار الحقيقي لاختبار النوايا والأفعال العراقية ضمن منظومة العمل العربي المشترك، وستكون الكيفية التي يديرون بها الملفات العربية الحساسة اليوم، وعلى رأسها سورية التي تتقاطع مع إيران، الدليل الواضح على سياسة العراق العربية، وليس فقط مجرد انعقاد القمة في بغداد، حتى وإن استبقت سورية أمس القمة وأعلنت رفضها لأي مبادرة تجاه ملفها، فإن ذلك لا يعد مبررا لتجاهل الملف السوري، وهو ما أكده وزير الخارجية العراقي هوشيار زيباري بتأكيده على الدعم الكامل للتطلعات والمطالب المشروعة للشعب السوري في الحرية والديموقراطية وحقه في رسم مستقبله واختيار حكامه وإدانة أعمال العنف والقتل، ودعم مهمة مبعوث الأمم المتحدة وجامعة الدول العربية كوفي عنان في سورية.

وفي المقابل فإن حديث زيباري عن دور العراق في التاريخ العربي لا يعد عمليا بعد عام 2003، فالعراق مطالب اليوم بالحديث عن واقعه ومستقبله العربي، لا ماضيه. وإن كان العراقيون جادين، فإن عليهم أن يثبتوا بالأفعال خلال هذه الدورة صدق رغبتهم في التخلص من واقع عراقي تتحكم إيران في مفاصله.