مما لا شك فيه أن الموقف والتطورات الجارية في سوريا تعتصر قلوب كل محبي سوريا، الدولة والشعب، والإسهام النشط والإيجابي في كل ما يمكن أن يعزز القدرات العربية. ومع الوضع في الاعتبار مجموعة العوامل والمؤثرات المحيطة بسوريا الشقيقة، فإنه يمكن إدراك الكثير من أسباب ودوافع ما يجري والنتائج التي يمكن أن تترتب على الدفع بالتطورات في هذا الاتجاه أو ذاك.
لذا فإنه ليس من المصادفة في شيء أن تشعر كل الأطراف المعنية، دولية وإقليمية، بأهمية وضرورة تجنب الدفع بسوريا نحو مزيد من التعقيدات والمخاطر التي قد تحدث، والتأكيد في الوقت ذاته على مخاطر التدخل العسكري الخارجي من ناحية، وعلى أهمية الحفاظ على وحدة وتماسك سوريا دولة وشعبًا من ناحية ثانية.
وفي هذا الإطار فإن مما له دلالة عميقة أن مجلس الأمن الدولي دعا في بيان رئاسي، وبموافقة كل أعضائه الخمسة عشر، إلى ضرورة وقف كل أعمال العنف في سوريا، ومن جانب كل الأطراف أيضًا، وهو مطلب تلتقي عليه كل القوى والأطراف الإقليمية والدولية، نظرًا للمخاطر المترتبة على استمرار المواجهات وأعمال العنف الجارية في بعض المدن السورية، والتي تتبادل الحكومة والمعارضة الاتهامات بالمسؤولية عنها.
يضاف إلى ذلك أن مجلس الأمن الدولي أكد في الوقت ذاته على مساندة جهود كوفي عنان الأمين العام السابق للأمم المتحدة ومبعوث الأمم المتحدة وجامعة الدول العربية إلى سوريا، وذلك في ضوء التحركات التي بدأها بالفعل والتي يسعى من خلالها إلى وقف أعمال العنف والمواجهات وتأمين وصول مساعدات إنسانية للمتضررين من المدنيين السوريين بسبب الأوضاع الراهنة.
وإذا كان كوفي عنان قد قدم مقترحات للقيادة السورية خلال زيارته الأخيرة لدمشق قبل عدة أيام، كما التقى ببعض أطراف المعارضة السورية، التي أبدت حتى الآن على الأقل نوعًا من التحفظ في التعاون مع المبعوث الأممي العربي، لأنها تريد أو تدعو لتدخل عسكري خارجي في سوريا، فإنه من المأمول أن تتمخض زيارته الحالية للعاصمة الروسية موسكو، ومحادثاته مع القيادة الروسية، ثم محادثاته القادمة في بكين غدًا مع القيادة الصينية، عن التوصل إلى سبل عملية وفعالة لتعزيز ودعم جهود كوفي عنان، وعلى نحو يمكن من خلاله وقف المواجهات وكل أعمال العنف، تمهيدًا للحوار بين الحكومة والمعارضة السورية.
وهو ما كانت دمشق قد أعربت عن استعدادها للدخول فيه من أجل وضع نهاية لنزيف الدم والخسائر التي يتكبدها الشعب السوري الشقيق من دماء وأرواح أبنائه، ومن موارده الاقتصادية أيضًا.
ومع التأكيد على أن هناك جوانب لا يمكن القفز عليها أو تجاهلها في سوريا، ومنها رغبة وتحرك القيادة السورية لتحقيق إصلاحات متتابعة، واستعدادها للحوار والشراكة مع المعارضة للتوصل إلى صيغة لإنهاء الواجهات والخروج من المأزق الراهن.
فإن تماسك الحكم في سوريا وتفكك المعارضة، حتى الآن على الأقل، يضعف موقف المعارضة السورية، ويجعل من دعوتها للتدخل العسكري الخارجي في سوريا مسألة تحسب عليها نظرًا لما يمكن أن يترتب عليها من مخاطر بالنسبة لحاضر ومستقبل سوريا. فهل ستعيد المعارضة السورية النظر في موقفها وتنضم إلى مؤيدي كوفي عنان من أجل مصلحة سوريا اليوم وغدًا؟