أحدثت الأزمات الغذائية والمائية والاقتصادية آثارًا هائلة على البلدان النامية في العالم والتي تعتمد على الواردات ولا تزال تتجرع مرارتها لا سيما القرن الإفريقي، ما يمثل عائقًا أمام الجهود التي تقودها المنظمات الدولية وخاصة منظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة "فاو" لتحقيق الهدف الإنمائي للألفية الذي يرمي إلى تخفيض نسبة الجوعى بمقدار النصف بحلول عام 2015م، وحسب "فاو" فإنه حتى لو تحقق الهدف الإنمائي بحلول العام المذكور، فلا يزال هناك حوالي 600 مليون شخص في البلدان النامية يعانون من نقص التغذية.
ويأتي هذا التنبيه الذي حمله آخر تقرير إحصائي صادر عن منظمة "فاو" يرصد آثار الأزمة العالمية لأسعار الأغذية خلال الفترة من 2006 ـ 2008 على الأمن الغذائي، متزامنًا مع التقرير الرابع عن تنمية المياه في العالم لعام 2012 الذي أصدرته منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة "اليونسكو" بمناسبة احتفال الأمم المتحدة باليوم العالمي للمياه لعام 2012 والذي صادف يوم أمس، حيث حذر التقرير من أن الطلب على الغذاء سيرتفع بنسبة 70 بالمئة، ما يؤدي إلى زيادة لا تقل عن 19 بالمئة في كمية المياه اللازمة للزراعة والتي تمثل بالفعل 70 بالمئة من المياه العذبة الصالحة للاستعمال. كما يدق التقرير ناقوس الخطر من أن نقص المياه الصالحة للشرب يؤدي إلى تفاقم الأعباء التي يتحملها الفقراء والأشخاص الذين يعانون نقصًا في التغذية وإلى رفع معدل الوفيات.
إن هذه البيانات الإحصائية وهي ترسل إشارات التحذير لدول العالم وتحديدًا تلك الدول غزيرة الإنتاج والتي تتحكم بمصادر الغذاء وبأسعاره، لا تنفي أنه لا تزال هناك فجوة كبيرة بين الأغنياء المنتجين والفقراء المعدمين، فجوة تثير الكثير من علامات الاستفهام، وترتب مسؤولية أخلاقية على الدول الغنية والمتحكمة بمصائر الجوعى في العالم والتي تتخلص من فوائض إنتاجها الزراعي برميه في البحار أو في استخلاص الوقود، إذا ما علمنا أن هناك ما يقارب مليار جائع في العالم، وأن المجاعات وسوء التغذية تتسبب في موت ما لا يقل عن طفل كل ست ثوانٍ.
لا أحد ينكر أن الظواهر الطبيعية كالاحتباس الحراري والأعاصير والفيضانات والحرائق، أسباب ساهمت في تقلص حجم إنتاج الغذاء وارتفاع الأسعار، وأن المناخ العالمي يتغير وتكاليفه الاجتماعية والاقتصادية لإبطاء ارتفاعه والاستجابة لآثاره ستكون كبيرة، لكن هذا لا يعفي بأي حال من الأحوال ما تقوم به الدول الكبرى المنتجة للحبوب والذرة من مسؤولياتها جراء تصرفاتها الهادفة إلى بقاء أسعار الغذاء في المستوى الذي ترغبه، والمفضية إلى مفاقمة أزمة الجوع، فضلًا عن التراكمات السيئة الناتجة عن الممارسات غير الأخلاقية التي اتبعتها دول الاستعمار القديم ـ الجديد خصوصًا فيما يتعلق بالزراعة والتي لا تزال تعاني تبعاتها الدول المستعمَرة (بفتح الميم)، حيث تفاوتت أساليب الاستعمار الأوروبي لإفريقيا ـ على سبيل المثال ـ بين استبعاد الأغذية الرئيسية التي تلبي حاجات الشعوب المستعمَرة وإجبارهم على تحويل مزارعهم من مزارع إنتاج الغذاء إلى مزارع لإنتاج محاصيل التصدير، وتسليمها للمستعمر ليصدرها إلى بلاده، وبين الاستيلاء على مزارعهم وتحويلهم عبيدًا يعملون في هذه المزارع لصالح المستعمِر. كما أن هذه الممارسة الاستعمارية لم تمارس قديمًا فحسب، بل هي الآن تمارس ضد الكثير من الدول القادرة على تلبية احتياجاتها الغذائية، فثمة دول عربية ليس مطلوبًا منها أن تستصلح أراضيها الزراعية، وإنما مطلوب منها أن تعتمد على المعونات الغذائية الغربية وشرائها، ومن هذه الدول ما يتم تصدير الأزمات السياسية إليه واختلاق الاضطرابات والقلاقل فيه كما هو حال السودان حتى لا يتحول إلى سلة غذاء عربية حقيقة.
إن الحاجة إلى الاستثمار في الزراعة من أجل تحقيق الأمن الغذائي على نحو مستدام أصبحت ملحة، وتتطلب من الدول المنتجة أن تتخلى عن سياساتها الاستعمارية والمنافية للمبادئ الإنسانية ولحقوق الإنسان، وتشجع الدول النامية والمعتمدة على الواردات على الزراعة ومساعدتها على تحسين إدارة الأراضي، وتطوير بذور أفضل نوعية، والحد من خسائر الغذاء لدى البلدان النامية بزيادة الاستثمار، ودعم صغار المزارعين، وتوفير أنجح الوسائل للحفاظ على موارد المياه وتقليل هدرها وتوظيفها التوظيف الصحيح في الزراعة.