ليس هناك ما يبعث على القلق والتوجس من موقف الكيان الإسرائيلي إزاء مبادرة السلام العربية التي تبناها العرب في قمتهم ببيروت 2002، وقدموها على طبق من ذهب لهذا الكيان المحتل وحلفائه وكبار داعميه في العالم، وبدل أن يقابل المحتل الإسرائيلي هذه اليد الممدودة للسلام راح إلى أبعد من ذلك، حيث جاء الرد سريعًا يومئذ على تبني المبادرة بقيام حكومة الاحتلال الإسرائيلي برئاسة المريض أرييل شارون بمحاصرة الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات داخل مبنى المقاطعة برام الله ومن ثم تصفيته بدس السم في طعامه والتخلص منه، لتنتقل بعد ذلك العمليات الإرهابية الإسرائيلية الممنهجة بحق الشعب الفلسطيني.

 وتتوالى معها المعاناة والآلام ويشتد وقعها على الثكالى والأطفال، والشباب الذين يقعون ضحية إما للاغتيال أو الاعتقال، وذلك في أبلغ رد مادي وملموس على الرفض الإسرائيلي للمبادرة العربية، الأمر الذي يغذي حالة التوجس والقلق من أن الرفض لا يمكن حمله إلا على أن الاحتلال الإسرائيلي ليس واردًا في أدبياته وبرامجه السياسية التوصل إلى أي اتفاق على حلول وسط وإنهاء الصراع، بل إنه يفكر إلى ما هو أبعد من ذلك يتجاوز قضية دولة فلسطينية مغتصبة وقضية شعب فلسطيني تغتصب أرضه وتنتهك حقوقه، ويمارس ضده أبشع ألوان التمييز العنصري، إلى دول وشعوب عربية أخرى.

لأنه لا يمكن أن يفسر تنكر الكيان الإسرائيلي المحتل لكل التنازلات العربية والفلسطينية المؤلمة، وقيامه بـ"عض" أيادي السلام العربية والفلسطينية الممدودة له إلا على رفض إسرائيلي مطلق لأي تسوية سلمية، ورفض التعايش مع الإطار الإقليمي الذي أوجد فيه، وقد أكد المحتلون الإسرائيليون مرارًا وتكرارًا أنهم بصدد تحقيق أحلامهم التلمودية بما يسمى "دولة إسرائيل الكبرى" الخاصة بـ"الشعب اليهودي"، ويكرسون الآن كل جهد ممكن باتجاه هذه الأحلام المنافية لكل المبادئ الإنسانية وللشرائع السماوية الوضعية، والمنافية للمبادئ الديمقراطية.

 لأنها أفصحت عن وجوه عنصرية بغيضة وكارهة للإنسانية وللتعايش السلمي ومنافية للقيم والأخلاق، وإن كان كل احتلال عارٍ أساسًا من هذه الأدبيات والأخلاق، لكن نقول ذلك نزولًا لمطالب أولئك الذين يتهمون العرب بأنهم يسعون إلى إلغاء الآخر وهو "الطرف الإسرائيلي" وعدم القبول به، وليس العكس بأن هذا الآخر هو من يسعى ليس لإلغاء الشعب الفلسطيني، بل الشعوب العربية بأكملها ليبقى متفردًا ومالكًا ومتحكمًا بالمنطقة بأسرها.

وبالرغم من هذا الرفض الإسرائيلي للسلام فإن العرب يؤكدون للمجتمع الدولي أنهم دعاة سلام، وفي هذا السياق يأتي تأكيد السلطنة على دعمها للجهود والتحرك الفلسطيني في الأمم المتحدة نحو الاعتراف الدولي بالدولة الفلسطينية ذات السيادة الكاملة، وذلك في الكلمة التي ألقاها مندوبها الدائم لدى الأمم المتحدة في جنيف في الدورة الـ19 لمجلس حقوق الإنسان بالبند السابع المتعلق بحالة حقوق الإنسان في فلسطين والأراضي العربية المتحدة، حيث شددت السلطنة على أن المبادرة العربية للسلام والجهود الدولية المبذولة الداعية للسلام هي السبيل الأنسب لإنهاء الصراع على أساس قاعدة إنهاء الاحتلال وصولًا إلى تحقيق الأهداف المشروعة للشعب الفلسطيني بإعادة الأراضي العربية المحتلة منذ عام 1967 وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية.

إن هناك ما يدعو بصورة عاجلة إلى لجم الاحتلال الإسرائيلي وكفه عن ممارسة عملياته الإرهابية الممنهجة ضد الشعب الفلسطيني، وضرورة التحرك العاجل من قبل المجتمع الدولي نحو ذلك، وتخليه عن سياسة التخاذل والممالأة للاحتلال الإسرائيلي طالما أن السلام الذي تكفل تحقيقه مبادرة السلام العربية فيه مصلحة للجميع لا سيما للكيان الإسرائيلي الذي سيحظى باعتراف عربي شامل وبتطبيع كامل، وبالتالي لا بد من إجباره على اتخاذ إجراءات الثقة والخطوات التي تبنتها المبادرة العربية بوقف الاستيطان وإزالة جميع المستوطنات الإسرائيلية باعتبارها غير قانونية وغير شرعية، والاعتراف بالحقوق الفلسطينية المشروعة وحق الشعب الفلسطيني في الحياة وإقامة دولته المستقلة ذات السيادة.