ليس من المبالغة في شيء القول بأن حكومة رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتانياهو حرصت على امتداد الاشهر الاخيرة على اختطاف الامن في المنطقة، او بعبارة ادق محاولة صنع التوتر والتلاعب بالأمن في واحدة من اهم مناطق العالم واخطرها ايضا. ففي الوقت الذي دأبت فيه حكومة نتانياهو على الزعم بأن الجمهورية الاسلامية الايرانية تهدد العالم ببرنامجها النووي، الذي تؤكد طهران انه برنامج سلمي، ولم تتمكن الوكالة الدولية للطاقة الذرية من الحديث او تأكيد غير ذلك، حتى الآن، فانها – اي القيادة الاسرائيلية تحاول باستماتة وضع المنطقة في اجواء الحرب والصدام، تارة بالحديث عن ضربات وقائية ضد منشآت ايران النووية، وتارة اخرى بالاعلان عن ترتيبات، او خطوات لا يمكن الا ان تثير قلق ومخاوف العديد من دول المنطقة، نظرا لانها تزيد من حدة التوتر في المنطقة بدرجة عالية.
واذا كانت محاولات نتانياهو حمل الرئيس الامريكي باراك اوباما على تأييد رؤيته قد فشلت على نحو واضح، حيث لم يتمكن نتانياهو من اقناع اوباما برؤيته بالنسبة لبرنامج ايران النووي وما يزعمه من مخاطر تترتب عليه، خلال زيارته الاخيرة للولايات المتحدة، فان رئيس الوزراء الاسرائيلي يقوم بتحركات وخطوات تثير الشكوك والترقب حول ما يمكن ان تقوم به حكومة اسرائيل من اندفاع احمق يجر المنطقة لاوضاع، هي بالقطع في غنى عنها.
وفي هذا الاطار فان التفويض الذي حصل عليه نتانياهو من اركان حكومته بشأن امكانية اتخاذه قرارا بتوجيه ضربات وقائية ضد منشآت ايران النووية، هو تفويض ينطوي على مخاطر عديدة. صحيح ان نتانياهو لن يرتكب مثل هذه الحماقة غدا او خلال مدة قصيرة ، وذلك في ضوء المعارضة الامريكية والدولية القوية والواضحة لمثل هذه الخطوة الحمقاء ، ولكن الصحيح ايضا ان وضع وحدات الصواريخ المضادة للصواريخ المعروفة باسم «القبة الحديدية « حول تل ابيب يعد خطوة ذات دلالة، بالنسبة لما تفكر فيه اسرائيل، وتتحسب للرد عليه ايضا من جانب ايران.
ومع الوضع في الاعتبار الجدل الدائر، سواء داخل الدوائر الاسرائيلية الامنية والسياسية والاعلامية، او خارجها، حول مخاطر استهداف منشآت ايران النووية بضربات اسرائيلية، فانه من الاهمية بمكان ان تتعاون كل الاطراف المعنية، من اجل بناء الثقة بين الجمهورية الاسلامية الايرانية من ناحية، وبين الدول الست الكبرى والمجتمع الدولي من ناحية ثانية حول الاهداف السلمية للبرنامج النووي الايراني، باعتبار ان ذلك يشكل سبيلا لا غنى عنه من اجل وضع حد للتهديدات الاسرائيلية من ناحية، ولزيادة التعاون بين ايران والوكالة الدولية للطاقة الذرية من ناحية ثانية، ولعل المحادثات المرتقبة بين ايران والدول الكبرى الست، والتي ستجرى في تركيا، تنجح في فتح الطريق للسير نحو هذا الهدف، خاصة وان طهران اعربت عن استعدادها لفتح موقع بارشين العسكري امام خبراء الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وهو ما يمكن ان يدحض المزاعم الاسرائيلية والمناورات التي تزيد التوتر في المنطقة.