بعد تفجيري مدينة حلب اللذين وقعا يوم الجمعة العاشر من فبراير الماضي واللذين استهدفا مقرات أمنية تقع في قلب حي سكني راح ضحيتهما ثمانية وعشرون قتيلًا ومئتان وخمسة وثلاثون جريحًا من المدنيين والعسكريين، ها هو يوم أمس السبت السابع عشر من مارس الجاري يشهد تفجيرين مماثلين استهدفا أيضًا مقرين أمنيين في دمشق هذه المرة وأيضا يقعان في حيين سكنيين وراح ضحيتهما عدد كبير من المواطنين السوريين.

أن تتباين الآراء والمواقف بين من يقف وراءهما، سواء من جهة النظام السوري أو المعارضة السورية أمر وارد في ظل حالة المواجهة والصدام القائمة بينهما، لكن أن يتم وصم هذين التفجيرين الإرهابيين المدانين بأشد عبارات الإدانة بأنهما إحدى مسرحيات النظام فهذا أمر مرفوض ومجرد من أي منطق، ومجرد من أي شعور بالرحمة أو الشفقة أو تعاطف تجاه أولئك الضحايا الأبرياء الذين سقطوا دون ذنب والذين أعلن وزير الصحة السوري أن عدد القتلى بلغ سبعة وعشرين شخصًا، وعدد المصابين بلغ مئة وعشرين مصابًا، فهل إلى هذا الحد قد بلغ رخص الدم السوري؟

هناك أمران يمكن ملاحظتهما في توقيت هذين الانفجارين والانفجارات السابقة في كل من مدينتي دمشق وحلب:

الأول: أن الانفجارات تأتي قبيل وصول وفد عربي أو أممي، فالانفجارات السابقة وقعت قبيل وأثناء وصول وفد بعثة المراقبين العربية بقيادة الفريق محمد الدابي، وتفجيرات أمس السبت وقعت قبيل يوم واحد من وصول البعثة الأممية إلى دمشق لبحث تفاصيل آلية نشر مراقبين دوليين وكيفية تنفيذ المقترحات الأخرى للمبعوث المشترك للأمم المتحدة وجامعة الدول العربية كوفي أنان.

الثاني: إن الانفجارين لم تتبناهما أي جهة، حيث لزم الطرف المعارض الصمت متداركًا ـ كما يبدو ـ حالة الارتباك التي حصلت أثناء تفجيري حلب، حيث في البداية تبنى ما يسمى "الجيش السوري الحر" مسؤوليته عن التفجيرين، ولما رأى العدد الكبير من الضحايا سارع إلى نفيها.

 فقد اكتفت المعارضة أمس بترديد الأسطوانة السابقة ذاتها بأن ما يسمى "المجلس الأعلى لتحرير سوريا" و"الجيش السوري الحر" لا يملكان الإمكانات والتكنولوجيا المتقدمة المستخدمة في عمليات التفجير لشن عمليات ضد المؤسسات التابعة للنظام السوري، وأن هذا الأسلوب ليس ضمن العقيدة القتالية لـ"الجيش السوري الحر" لأنه يضر بمصالح الشعب السوري وبالثورة.

الاعتقاد أو حتى مجرد الزعم بأن هذين التفجيرين والانفجارات السابقة هي من تدبير النظام بدعوى "جلب التعاطف الدولي معه وتبرير قمعه للثورة والقتل، وأنه بالفعل يواجه عصابات إرهابية مسلحة"، هو اعتقاد خاطئ وليس في محله؛ لأن من السذاجة ومن الغباء بمكان أن يستهدف النظام مركز قوته وهيبته ليرسل رسائل مغلوطة إلى معارضيه بأن قبضته الأمنية بدأت تتضعضع، ما يشجع على عمليات الاستهداف، هذا من جهة.

ومن جهة أخرى ما الذي يمنع أن تكون التفجيرات من صنع الجماعات المسلحة التابعة للمعارضة وتنسبها إلى النظام، لتؤكد آراءها بأن النظام يسعى من وراء هذه التفجيرات إلى خلط الأوراق والتشويش، خاصة وأن المعارضة تعيش صدمة بسبب حالة التراجع في المواقف لدى عدد من القوى الدولية خصوصًا فيما يتعلق بتسليح المعارضة السورية والتدخل العسكري الأجنبي، فقد كانت المواقف واضحة على لسان وزير الخارجية الفرنسي آلان جوبيه، ووزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون والبيت الأبيض وكذلك وزير الدفاع الأميركي ليون بانيتا، اضافة الى بعض البلدان العربية، حيث بدأ التراجع إلى تفضيل الخيار السياسي والنزول إلى ما دون السقف الأعلى للمعارضة السورية، وهو إسقاط النظام وتنحي الرئيس بشار الأسد.

 ولذلك من الممكن أن تكثف المعارضة السورية ممثلة بأذرعها المسلحة ما يسمى "الجيش السوري الحر"، والجماعات المسلحة وعناصر تنظيم القاعدة ضرباتها والإصرار على عسكرة "ثورتها"؛ لأنها تتوهم أن الحوار هو انتصار للنظام وهزيمة لها، وهذا توهم غير منطقي، لأنها بالحوار ستحصل على ما تريد، وبالعسكرة تفقد كل ما تريده خاصة مع تراجع نسبة مؤيدي العسكرة من العرب وغير العرب.