بعد المواقف الإيجابية التي أبدتها كل من روسيا والصين تجاه إيجاد صيغة توافقية للخروج من عنق الزجاجة وحل الأزمة السورية وتجنيب الخسائر البشرية والمادية، لم يبقَ ولن يبقى هناك عذر لبقية قوى المجتمع الدولي التي تصطف في خندق المعارضة السورية في مواجهة مواقف كل من موسكو وبكين والتي أقامت الدنيا ولم تقعدها ضد تينك العاصمتين لاستخدامهما الفيتو في مجلس الأمن ضد مشروع القرار الغربي ـ العربي، من التجاوب مع الجهود التي تبذلها روسيا والصين، إذا كانت تلك القوى صادقة في نياتها ويهمها بالفعل وقف العنف وحقن الدم السوري وإنهاء الأزمة بالوسائل السياسية والدبلوماسية.

لقد برهنت موسكو والصين على صوابية مواقفهما من الأزمة السورية، من منطلق معرفتهما ما سيؤدي إليه قرار أممي يشرع التدخل الأجنبي واستخدام القوة العسكرية من نتائج كارثية سيكون المتضرر الأول منها هو الشعب السوري الذي ينادي بالتغيير والإصلاح ويطالب بحقوقه المشروعه، والذي سيجد نفسه بين عشية وضحاها تحت سماء تملؤها الطائرات الحربية التي تلقي بحممها على رؤوسه، وبحر يكتظ بالسفن الحربية تكويه مدافع نيرانها وصواريخها لتنسف عليه سقوف منازله، بالإضافة إلى ما يعانيه من أوضاع معيشية صعبة جراء العقوبات الاقتصادية التي فرضها عليه أشقاؤه العرب الممثلون بجامعة الدول العربية، وما المحاولات الجارية الآن لإدخال المساعدات الإنسانية إلا أحد وجوه تداعيات هذه العقوبات الجائرة.

ولذلك ونظرًا لتداعيات الأوضاع الإنسانية المأساوية، وحيث لا مجال لتجنب مخاطر التدخل العسكري وتجنب تفاقم الأزمة ومحنة الشعب السوري أصرت موسكو وبكين على المخرج الأوحد المتمثل في الحل السياسي بالحوار، وقد تقدمتا إزاء ذلك خطوات كبيرة ومدتا أيديهما لجامعة الدول العربية وللأمم المتحدة، باتفاق روسيا مع جامعة الدول العربية على النقاط الخمس، وكذلك الخطة الصينية المكونة من ست نقاط وتأكيد بكين على أن هناك توافقًا كبيرًا بينها وبين الجامعة حول حل الأزمة السورية سياسيًّا. وتدعو الخطة الصينية إلى وقف فوري لإطلاق النار في سوريا وإجراء مفاوضات بين أطراف النزاع مع رفض أي تدخل أجنبي.

إن هذا التحرك السياسي والدبلوماسي لكل من الصين وروسيا يجب أن يقابل بانفتاح وتجاوب من قبل الدول الأخرى التي تقول إنها تسعى إلى حل الأزمة السورية.

وذلك أولًا بالتوقف عن تسليح المعارضة السورية الممثلة في مجموعات ما يسمى "الجيش السوري الحر" وبقية الجماعات المسلحة التي بات تسليحها مثبتًا، وحصولها على أسلحة متطورة من خلال العمليات النوعية التي نفذتها ضد الجيش العربي السوري والقوات النظامية والأمنية، وأيضًا بالتخلي عن تبني التسليح أو التدخل العسكري؛ ليس لأن ذلك سوف يؤدي إلى قتل الكثير من المدنيين، وإنما لأنه أيضًا سوف يفاقم الوضع ويعقد الأزمة، ما قد يدخل المنطقة في دوامة صراع لا تنتهي، في حين أن حلها بسيط وفي متناول اليد.


 وثانيًا الضغط على "قيادات" المعارضة السورية للقبول بالحل السياسي والحوار دون فرض شروط، ويمثل ما يسمى مؤتمر "أصدقاء سوريا" الذي تستضيفه تركيا في إبريل القادم فرصة لإقناع معارضة الخارج بتبني الحل السلمي وعدم المراهنة على وسائل القتل والدمار.

وإن الموقف الذي أعلنه وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف أن روسيا تدرس اقتراح إرسال مراقبين دوليين مستقلين إلى سوريا يتولون مراقبة وقف متزامن لإطلاق النار، وأنها تريد إقناع دمشق بالقبول بذلك، إلى جانب الخطة الصينية من شأنه أن يمهد أرضية مناسبة للدخول في حوار وطني بنَّاء، وأي نجاح يتم تحقيقه في النهاية سوف يصب في مصلحة سوريا والشعب السوري، وما يأمله كل حريص على الدم السوري وأمن واستقرار سوريا أن يؤمِّن ذلك أجواء مناسبة وهادئة لمشاركة كافة الأطياف السياسية السورية في انتخابات مجلس الشعب التي حدد موعدها الرئيس السوري بشار الأسد في السابع من مايو القادم، بحيث يكون نجاح هذه الانتخابات أولى خطوات الحل الشامل، وخروج سوريا من أزمتها الخطيرة الراهنة، ذلك هو الأمل الذي نرجو أن لا يخيب.