حين سُئلت كوندوليزا رايس وزيرة الخارجية الأميركية في إدارة الرئيس الأميركي السابق جورج بوش "الصغير"، في مؤتمر صحفي عن أشلاء أطفال لبنان على الطرق ودماء تسفكها آلة الحرب والعدوان الإسرائيلية في العدوان الإسرائيلي على لبنان في صيف عام 2006م، ردت حينذاك على سائليها والمستنكرين لتلك المناظر المؤلمة وحجم جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية التي ترتكبها دولة الإرهاب الإسرائيلي، بأن ذلك الدم هو نفاس ولادة "مشروع الشرق الأوسط الكبير".
وقد اعتقد الكثير بعد مجيء الرئيس الأميركي الحالي باراك أوباما إلى سدة الرئاسة في عام 2009م أن هذا المولود الهجين قد قضى إلى غير رجعة، لا سيما بعد الأزمة المالية العالمية الطاحنة ووصول الاقتصاد الأميركي على شفا الانهيار التام، وخسارة الولايات المتحدة حربيها في أفغانستان والعراق. إلا أن ما يجري الآن هو في حقيقته عمليات إرضاع وإطعام لهذا المولود الهجين وتقديم كافة الخدمات لأن يقوى عوده ويشتد.
ويبدو أن هناك من الليبيين من هو على استعداد لجعل بلاده نقطة الانطلاق نحو تحقيق قيام هذا المشروع الاستعماري الجديد. ففي أول خطوة من نوعها منذ سقوط النظام الديكتاتوري للعقيد الراحل معمر القذافي، وبمشاركة قرابة ثلاثة آلاف شخص من وصفوا بأنهم شيوخ وأعيان برقة، قرر مؤتمر عقد في مدينة بنغازي (شرق ليبيا) "تأسيس مجلس إقليم برقة الانتقالي برئاسة الشيخ أحمد الزبير أحمد الشريف السنوسي لإدارة شؤون الإقليم والدفاع عن حقوق سكانه".
إن هذا المولود الهجين بدأت ملامحه تظهر قبل خطوة برقة، بل أثناء قيام حلف شمال الأطلسي بمساندة الثائرين على نظام العقيد الراحل القذافي تحت ستار "حماية المدنيين"، وذلك حين كانت عمليات تقسيم الموارد النفطية تعلن من مدينة بنغازي على الهواء مباشرة بأن "ثلاثين في المئة لفرنسا، وعشرين في المئة لبريطانيا وعشرة في المئة لإيطاليا".
وكما يتضح أن خطوة إقليم برقة أمس نتيجة طبيعية لمخطط مرسوم بعناية ودقة يقوم على تقسيم دول المنطقة إلى دويلات أو أقاليم متناحرة، لتستفرد دول الاستعمار القديم ـ الجديد بموارد المنطقة وثرواتها، وتضمن التفوق العسكري والسياسي والأمني للكيان الصهيوني؛ أي أن الهدف من هذا المخطط هو ضرب أكثر من عصفور بحجر واحد، لأن وحدة الدول العربية واتفاقها على ما يخدم مصالحها ويحقق طموحات شعوبها، في ظل الطفرة التي تعيشها من القوى البشرية الهائلة والموارد الطبيعية ومصادر الطاقة وفيوض عوائدها المالية التي تدخل خزائنها تمثل تهديدًا كبيرًا ضد الكيان الصهيوني وضد المصالح الغربية. طبعًا هذا حسب تصور أصحاب "الشرق الأوسط الكبير".
وفي تقديرنا أن هذه الخطوة حتمًا سوف تشجع أقاليم أخرى في ليبيا على الانفصال في إطار ما يسمى "النظام الفيدرالي"، وبالتالي لن نرى ليبيا عبارة عن ثلاث ولايات (طرابلس وبرقة وفزان أكبرها مساحة برقة ويتمتع كل منها بالحكم الذاتي في أيام الملكية)، بل سنراها ولايات أو مناطق مقسمة، خاصة وأن المسببات والمحرضات والتناقضات كثيرة في ليبيا، ولا تزال أصوات المدافع وعمليات الاقتتال بين ثوار مصراتة والزنتان والمجلس العسكري في طرابلس وعمليات القتل والتعذيب في المعتقلات هي الطاغية في جو ليبيا وبرها، يضاف إليها شرارة الاقتتال القبلي، لا سيما وأن الوضع القبلي هو بمثابة هشيم تكفيه شرارة واحدة لتأتي على أكمله، والسؤال الذي يطرح نفسه في هذا المقام: إذا كانت ليبيا بالمقارنة مع دول عربية أخرى كالعراق مثلًا حيث التنوع العرقي والطائفي والمذهبي، تعد موحدة طائفيًّا وعرقيًّا، ومعافاة من مثل هذه الداءات التي أصبحت فتايل إشعال بيد الأجنبي، فما الحال التي ستكون عليها ليبيا؟
الليبيون حين ثاروا على نظام العقيد القذافي قالوا إنهم سيجعلون من بلادهم رمزًا للديمقراطية والحرية والتعددية والوحدة الوطنية، فإذا بكلام الليل يمحوه النهار، كما أكد عليه بعض من المحسوبين على برقة أمس، فكيف تتحق هذه المفاهيم والبلاد أصبحت أشلاء؟
في الحقيقة إن هذ الخطوة لا يمكن وصفها إلا بكونها تمهيدًا لتشظية هذا القطر العربي وغرس بذور الانفصال في مكونات الشعب الليبي، والتي قد تشجع أقاليم في دول عربية أصابها داء التدخل العسكري الأجنبي، كما هو حال العراق، لكن في المقابل هل ستكون درسًا لأولئك الذين يسعون جاهدين إلى جلب هذا الداء إلى سوريا؟