يوهم النظام السوري نفسه بأن العمليات العسكرية التي يقترفها حاليا في حمص، وعلى وجه الخصوص حي بابا عمرو، تجتث جذور الثورة، بتركيع عاصمتها، ودون أن يعي أن حدود الثورة وجغرافيتها أوسع بكثير من حمص، وأشمل من مدن ارتكب فيها النظام - ولا يزال - فظاعات مقززة، وجرائم يندى لها الجبين، بدليل أن لهيب الثورة يطال حاليا العاصمة ذاتها، فيخرج الدمشقيون ليلا في مظاهرات دعم للمدن المحاصرة، ومن ثم فليس للثورة السورية حدود، والغضبة الشعبية أشمل من أن تحاصر في مدينة أو بضع مدن، وإرهاق الشعب السوري الشقيق ومعاناته، إثر ما يكابده ويدور من حوله، ويقع تحت بصره، يوسع دائرة الثورة، خاصة وأن الغضب الشعبي من النظام أسبق بكثير منذ اندلاع الثورة قبل أحد عشر شهرا.

ومع ذلك فإن النظام لم يقتنع بعد، رغم تداعيات لجوئه للحل الأمني، بأن وقت الرحيل قد أزف، وأن سوريا تتطلع إلى قيادة عصرية جديدة تبرم عقدا اجتماعيا جديدا ومستنيرا مع العصر، وتجرف كل القيم والأفكار التي تأكد عمقها في صياغة حياة حضارية واقتصادية جديدة لبلد يشهد له التاريخ بموقعه المتميز، ودوره الذي يجعل من عاصمته قلبا نابضا بعروبته.

لكل ذلك نؤكد أن بندقية النظام سوف تطيش طالما ظلت تقتل الأبرياء، وتروع العائلات، وتضطر أسرا إلى ترك منازلها والفرار هربا من الموت، ليكتشف في نهاية سقطاته أنه لا وجهة باقية يطلق فيها الرصاص المنهمر إلا صدره، في سلوك انتحاري لا تخفى بوادره.

ومن ذلك فلا طائل من اقتحام «بابا عمرو» وقطع الاتصالات عنه بعد حصار امتد بضعة أسابيع، ولا طائل من تغيير الوظيفة الرئيسية للجيش السوري بالزج بجحافله إلى اقتتال داخلي بدلا من أن يكون سياجا يحرس الوطن ويدافع عنه.