خلال سنوات الانتفاضتين الأولى والثانية، كان الهدف الاسرائيلي المعلن هو تهدئة الأوضاع المتوترة والعنيفة في كثير من الأحيان، وكان هدف الوصول إلى ما سماه المسؤولون الاسرائيليون حينذاك بعشرة في المائة فوق مستوى "صفر عنف" نوعا من الأحلام، وهو الشرط الذي كانت بموجبه ستلتزم اسرائيل بتنفيذ استحقاقاتها السلمية، وفقا للاتفاقيات المرحلية من أوسلو وحتى تفاهمات طابا.

الآن وصل الهدوء الأمني خلال السنوات الأربع أو الخمس الماضية درجة "صفر عنف"، أو ربما ما تحت الصفر، ومع ذلك فقد جمدت اسرائيل عملية السلام، وكثفت نشاطاتها الاستيطانية، ولم تعد معنية بأي مفاوضات جادة لتحقيق الحد الأدنى من السلام العادل، وفقا لمفاهيم مرجعيات الشرعية الدولية. بل إنها تطلق العنان للمستوطنين ليعيثوا في الأرض الفلسطينية فسادا وإفسادا، وترويعا للآمنين الفلسطينيين.

وهكذا، ففي الوقت الذي يؤكد فيه الفلسطينيون بالأفعال، وليس بالأقوال وحدها، أنهم مع السلام العادل، ولا يتركون حجرا دون أن يقلبوه بحثا عن هذا السلام السرابي، فإن الجانب الاسرائيلي لا يفسر هذا الالتزام الفلسطيني إلا باعتباره نوعا من الضعف، يكون رد الفعل الاسرائيلي عليه هو المزيد من الاستيطان واستفزاز المشاعر الفلسطينية، خصوصا لجهة المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس وخارجها.

وإلا فما معنى تدفق العشرات من المستوطنين والمتطرفين اليهود على ساحات المسجد الأقصى خلال الأسبوع الماضي، ولماذا تسمح لهم السلطات الاسرائيلية باقتحام الحرم القدسي الشريف؟.

المعروف أن دخول المسجد محظور دينيا، وفقا للشريعة اليهودية على اليهود. والسؤال هو ما الداعي إذن للسماح للعشرات من هؤلاء بإثارة غضب الفلسطينيين ما دام حاخاماتهم يحظرون عليهم دخول الحرم، تحت طائلة المنع الديني بحسب شريعتهم؟.

مرة أخرى تثبت السلطات الاسرائيلية أنها ليست في حاجة إلى مبرر، حين تضع في رأسها فكرة إثبات أنها هي وحدها التي تملك الحل والعقد واتخاذ القرار في كل ما يخص الأراضي الفلسطينية المحتلة، أرضا وبشرا ومقدسات.

وكأن اسرائيل تقول للفلسطينيين في كل مرة :"نحن هنا أصحاب الأمر، وما عليكم أيها الفلسطينيون إلا الامتثال لأوامرنا، أو الرحيل".

الفلسطينيون لن يرحلوا، وهم متمسكون بأرضهم وبمقدساتهم، ويدعمهم صمودهم في العالمين العربي والإسلامي مليار ونصف المليار من العرب والمسلمين. والصمت العربي والإسلامي إزاد الممارسات الإسرائيلية إنما هو الرماد الذي تحته نيران يمكن أن تشتعل في أي لحظة، وليس في اشتعالها مصلحة لأحد.

والمطلوب من اسرائيل هو أن تكف عن سياساتها الاستفزازية، وأن تسعى للانسحاب من الأراضي المحتلة بأسرع ما يمكن، فالمنطقة تغلي بالأحداث، والطريقة الوحيدة لتلافي الكوارث والمواجهات هي صنع السلام العادل، والتعامل مع الشعب الفلسطيني بالاحترام الواجب والندية المتبادلة.