الإضراب عن الطعام الذي خاضه الأسير عدنان خضر لمدة ٦٦ يوما وتضامن معه أبناءء الشعب الفلسطيني، والحكومات منظمات حقوق الإنسان الحرة في العالم كان بمثابة احتجاج صارخ على ما يعرف بعقوبة "الاعتقال الإداري"، وهي عقوبة فرضتها في الأصل حكومة الانتداب البريطاني بصورة خاصة، وربما حصرية، على المناضلين من أجل استقلال فلسطين التاريخية كدولة لكل طوائفها المسلمة والمسيحية واليهودية.
وقد واصلت السلطات الاسرائيلية تطبيق هذه العقوبة، غير الإنسانية وغير العادلة وغير القانونية، على من تعتقد أنهم ناشطون من أجل حقوق الشعب الفلسطيني في الحرية والسيادة وإنهاء الاحتلال.
كان إضراب عدنان خضر بدافع الكرامة الإنسانية والوطنية، التي ترفض منطق معاقبة الناس على تهم لا دليل لدى السلطات عليها. وهذا هو الاعتقال الإداري الذي يعني ببساطة احتجاز الأبرياء دون محاكمة ودون دفاع عن النفس، ولمجرد الشبهة. وليس في أي قانون وضعي أو سماوي ما يعاقب على تهم ليس لدى السلطات ما يثبتها.
فالأصل في كل القوانين أن المتهم بريء حتى تثبت إدانته، أما الزج بالأبرياء في السجون لكونهم يشكلون ما تعتبره السلطات "خطرا محتملا"، فهذا انتهاك لأبسط الحقوق الإنسانية وتجاوز لكل الأعراف القانونية، وممارسة لم تقدم عليها حتى حكومات الدول في العصور الوسطى.
شجاعة عدنان خضر أنه تحدى هذه العقوبة التي كرستها السلطات الاسرائيلية وطبقتها بحق الآلاف من الفلسطينيين منذ السنوات الأولى التي أعقبت الاحتلال.
وهو بإضرابه عن الطعام قد كرس المقولة التي تؤكد أن الحرية أسمى من الحياة ذاتها، وأن لا قيمة للحياة في قيود الاعتقال غير المبرر حتى من جانب سلطات الاحتلال. ولذا وقف الشعب الفلسطيني مساندا له ومتضامنا معه، سواء المواطنون خارج أسوار السجون الصغيرة> أم الأسرى في تلك السجون.
فعدنان كان وما يزال يعبر عن موقف مبدئي لا يختلف بشأنه اثنان على وجه البسيطة :وهو أن الاعتقال الإداري يمس بكرامة الإنسان، ولو لم يكن كذلك لطبقته اسرائيل بحق مواطنيها اليهود الذين لا تشتبه فقط، بل هي متأكدة، بأن تصرفاتهم تشكل خطرا على الأمن.
وهنا نذكر مثال المستوطنين الذين يعيثون في الضفة الغربية فسادا وترويعا للآمنين الفلسطينيين، وحرقا لممتلكاتهم وسياراتهم. ولم يسمع أحد مع ذلك بأن السلطات وضعتهم في الاعتقال الإداري، أو حتى طبقت نصوص قانون العقوبات عليهم، مع أن التهم بحقهم ثابتة والشهود عليها كثيرون.
هذه العقوبة ناتجة في الأساس عن وجود الاحتلال، وهو السبب في معاناة أبناء الشعب الفلسطيني منذ ما يقارب الخمسة والأربعين عاما. وخلال هذه المدة الطويلة تكاثرت وتعمقت الانتهاكات الاسرائيلية لحقوق الإنسان الفلسطيني، ولن يضع حدا لهذه الانتهاكات والعقوبات غير القانونية وغير الإنسانية سوى إنهاء الاحتلال، وحصول الشعب الفلسطيني على حقوقه الوطنية والسيادية كسائر شعوب العالم.
وليكن إضراب عدنان خضر الصرخة الأولى ليس فقط للإفراج عنه من أسر الاعتقال الإداري، بل كذلك لإلغاء هذه العقوبة نهائيا ورفع تهديدها المسلط على أبناء الشعب الفلسطيني، وتكاتف الأسرة الدولية من أجل هذلك الهدف، ووضع حد لهذا الاحتلال المزمن الذي لا يتورع عن اللجوء لهكذا انتهاكات للقوانين والشرائع الإنسانية، وقد آن له أن ينتهي وأن يرفع قبضته الثقيلة عن رقاب أبناء الشعب الفلسطيني.