لو طرح السؤالان الآتيان: ما الفرق بين الفيتو الروسي ـ الصيني ـ والفيتو الأميركي فيما يخص قضايانا العادلة؟ ومتى شاركت روسيا والصين في حرب لتدمير دولنا العربية ونهب ثرواتها، وتحالفت مع الكيان الصهيوني لتفتيت منطقتنا؟
ترى ماذا ستكون إجابة أولئك الذين شنوا حروبًا شعواء دبلوماسية وإعلامية غير مسبوقة على هاتين الدولتين الصديقتين (روسيا والصين) للعرب، بعيدًا عن العاطفة أو أي انحياز أو تبنٍّ لرؤية ما يقف صاحبها في الجهة المقابلة لمصالح منطقتنا وقضايانا؟
نعم روسيا والصين استخدمتا حق الفيتو ضد مشروعي قرارين حول الأزمة السورية، وانطلقتا في استخدام حقهما من منطلق حفظ مصالحهما أولًا، وليقينهما ما سيسفر عنه التدخل الأجنبي العسكري في سوريا من نتائج كارثية لا أحد يعلم مداها ثانيًا، لأنهما تدركان أن لعبة التوازنات وحسابات المصالح هي الموجه الحقيقي فيما يخص الأزمة السورية بصورة خاصة والمنطقة بصورة عامة. لكن ما يحسب لهاتين الدولتين أن تاريخهما بالمقارنة مع التاريخ الأميركي ـ البريطاني ـ الفرنسي على الأقل على صعيد علاقاتهما بالمنطقة، يعد تاريخًا مشرفًا، ومن يُرِدْ أن يقف على ما قدمتاه للشعوب العربية وقضاياهم العادلة منذ عشرات السنين وإلى اليوم فليرجع ليقلب صفحات التاريخ ليدرك حقيقة هاتين الدولتين، ويقارنهما بالمواقف والإسهامات التي قدمتها الولايات المتحدة الأميركية وأوروبا وعلى رأسها الإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس (بريطانيا العظمى) وفرنسا.
أليس اليوم ما تدفع فاتورته دول المنطقة من انقسامات وخلافات حدودية وصراعات، بذرت بذورها أميركا وأوروبا اللتان ترعيان هذه الانقسامات والخلافات والصراعات من أجل تمكين الكيان الصهيوني هذا الخنجر المسموم الذي غرستاه في خاصرة الوطن العربي؟
ثم أليست فرنسا هي أول دولة تزود هذا الكيان بالسلاح النووي؟ بالمقابل كانت الصين تفتح مؤسساتها للشعب الفلسطيني المنكوب من تعليم وصحة، واعتراف رسمي بمنظمته وإمداده بالسلاح وتدريب المقاومين الفلسطينيين عليه، إلى جانب إسهاماتها الملموسة في الدول العربية التي تربطها بها علاقة مصالح كالسودان، أما روسيا فلم تتوقف عن دعم القضية الفلسطينية واستقبال الفصائل الفلسطينية ودعمها سياسيًّا وماديًّا، ولم يكن "فيتوها" موجَّهًا ضد قضية عربية عادلة.
هنا لا ندافع عن روسيا والصين في مواجهة الولايات المتحدة وأوروبا، ولكن لابد من أن توضع الحقائق في إطارها الصحيح، وتوزن بميزانها العادل، وبالتالي فإن الفيتو الروسي ـ الصيني المزدوج الأخير ضد مشروع القرار الغربي ـ العربي هو لوضع حد للسيطرة والهجمة الشرسة الأميركية على المنطقة، ولوضع حد للقطبية الأحادية، ولحماية مصالح الدولتين، وليس موجَّهًا ضد الشعب السوري.
ولذلك في مقابل دفاع هاتين الدولتين (روسيا والصين) عن مصالحهما باستخدام حق الفيتو، لم يخرجا عن نهج سياستهما القائم على الحوار الهادئ باعتباره الوسيلة المثلى لحل القضايا العالقة وتبديد الخلاف، بل إنهما في هذا الإطار لم تفتآ عن العمل الصادق من أجل تقريب الفرقاء السوريين، ومحاولة إقناعهما بالجلوس على طاولة الحوار الذي هو الحصن الذي يمنع التدخل الأجنبي العسكري ويحفظ سلامة سوريا ويصون وحدتها الوطنية، ويحقق لكل من النظام والمعارضة أمانيه ومطالبه.
إن التحركات الصينية التي قام بها نائب وزير الخارجية الصيني تشاي جون في دمشق، ولقاءه الرئيس السوري بشار الأسد، ومن ثم لقاؤه المرتقب مع المعارضة السورية في الداخل، ونقل دعوة بلاده إلى وقف فوري لأعمال العنف، ودعوة جميع الأطراف إلى الجلوس على طاولة الحوار للتوصل إلى خطة سياسية شاملة وآلياته المعنية، وتأكيده أنه في ظل الظروف المستقرة فقط يمكن لسوريا أن تجري إصلاحًا سياسيًّا شاملًا، إن مثل هذه التحركات تبقى مقدرة، وهي خير معبر عن التعاطي العقلاني الصادق، ولا شك أن المعارضة السورية الوطنية، ونعني بها المعارضة الرافضة لتدويل الأزمة السورية تتفق معنا أن الجهد الحالي الذي تبذله روسيا والصين في هذا الشأن يكتسب المصداقية وبالتالي يستحق التجاوب معه من جانبها كما من جانب النظام ، وما نتمناه فعلا أن يسير العقلاء من سوريين وعرب على هذا الطريق لتخرج سوريا من محنتها قوية معافاة وليست سقيمة ممزقة كما يريد لها أعداؤها.