لا نعتقد أن هناك عاقلًا يكره التغيير والتحديث خاصة إذا كانا نحو الأفضل والأحسن ويُلْبِسان الأشياء أثوابًا جديدة تبعث روح الحياة، وتحيي الآمال بعودة ما كان مفقودًا، وتبعث على الاستقرار والنماء والبناء وتحقق للجميع مراميه وأهدافه.

ويعد إنجاز مشروع الدستور السوري خطوة أخرى يفترض بها تقريب وجهات النظر بين النظام والمعارضة، وتقريب المسافات بين الطرفين، بعد خطوة الدعوة للحوار الوطني وتشكيل حكومة وحدة وطنية، لا سيما وأن مشروع الدستور قد حقق مطالب خرج من أجلها المتظاهرون السوريون إلى الشوارع، وتؤكد المادة الثامنة من المشروع تمهيدًا للاستفتاء عليه في السادس والعشرين من فبراير الجاري، أن "النظام السياسي للدولة يقوم على مبدأ التعددية السياسية وتتم ممارسة السلطة ديمقراطيًّا عبر الاقتراع".

وبحسب هذه المادة أيضًا "تسهم الأحزاب السياسية المرخصة والتجمعات الانتخابية في الحياة السياسية الوطنية، وعليها احترام مبادئ السيادة الوطنية والديمقراطية". وتحل هذه المادة مكان المادة الثامنة في الدستور الحالي التي تنص على أن حزب البعث هو "قائد الدولة والمجتمع".

وفي تقديرنا، أن مشروع الدستور الذي سيؤدي إلى إقامة نظام أساسه التعددية السياسية في سوريا التي تخضع لحكم حزب البعث منذ عام 1963 ويعقب ذلك إجراء انتخابات برلمانية في غضون 90 يومًا من الموافقة عليه، هو الوسيلة المثلى لتغيير سلمي وحقيقي يستجيب لطموحات الشعب السوري ويحافظ على وحدة سوريا وسلامتها الوطنية ودورها، بعيدًا عن التدخلات الخارجية السياسية والعسكرية التي ثبت أنها لا تكون حاضرة إلا إذا كان وراءها ما يخدم مصالح المتدخلين من كافة جوانبها، وفي مقدمة ذلك طبعًا خدمة الكيان الصهيوني الذي يدور جدال حاليًّا في مطابخ مؤامرات حكومته اليمينية المتطرفة بين الموقف المجاهر بتبني سرعة إسقاط النظام السوري، وبين تفضيل إكساب الموقف ضبابية..

وطبعًا ربما رفض المجاهرة بإسقاط النظام حتى لا يؤثر على المتحمسين من العرب للإسراع بإسقاط النظام السوري حتى لا يصبح فيما بعد وصمة عار، حين يسلم المتحمسون سوريا لقمة سائغة في فم عدوها وعدو المنطقة الأول (الكيان الصهيوني) الذي يتربص بها منذ النكبة الفلسطينية.

الولايات المتحدة في أول رد فعل لها على مشروع الدستور السوري وصفته على لسان جاي كارني المتحدث باسم الرئيس الأميركي باراك أوباما بأن "الأمر فعلًا مثير للسخرية".وتابع "إنه يسخر من الثورة السورية"، بينما سارعت روسيا إلى الترحيب بمشروع الدستور الجديد واعتبرته خطوة إلى الأمام.

ورد الفعل الأميركي هذا يذكرنا بمواقفها السابقة بدعوة المسلحين إلى عدم تسليم أسلحتهم، ثم قيامها بسحب سفيرها وإغلاق سفارتها في دمشق لتقول لتابعيها: افعلوا ما أفعل. فهي بهذا الموقف تريد أن تقول لتابعيها أيضًا: رددوا ما أقوله. ولذلك لا أحد يستغرب لماذا يرفض المعارضون السوريون المشاركة في الاستفتاء، ويعاندون اتباع الوسائل السلمية لحل الأزمة، ويصرون على رحيل النظام ورفض الحوار على طريقة "الكاو بوي".

صحيح أن سوريا بإقرار دستورها تكون قد قطعت الشوط الأهم ألا وهو وضع البنية القانونية والدستورية عبر ما تم إقراره من إصلاحات وقوانين، إضافة إلى الدستور الجديد للانتقال بالبلاد إلى حقبة جديدة بالتعاون بين جميع مكونات الشعب تحقق الطموحات وترسم مستقبلًا مشرقًا للأجيال القادمة.. لكن يبقى تحقيق كل ذلك محكومًا بما إذا كانت هناك فعلًا أصوات عاقلة وراشدة تدفع باتجاه السلم القائم على الحوار، لا الحرب والعسكرة.