في مشهد معبر عن حجم الظلم الذي لا يزال يتجرعه ما يزيد عن مليون ونصف من الشعب الفلسطيني في قطاع غزة تظاهر أمس عشرات الفلسطينيين في مدينة غزة احتجاجًا على تفاقم أزمة انقطاع التيار الكهربائي بعد توقف محطة التوليد عن العمل نتيجة نقص الوقود.
وكانت سلطة الطاقة أعلنت توقف محطة الكهرباء الوحيدة في قطاع غزة عن العمل بالكامل نتيجة شح إمدادات الوقود الواردة إلى غزة بفعل الحصار الإسرائيلي الظالم وتوقف مصر عن إمداد القطاع بالوقود. طبعًا هذا الانقطاع ليس الأول بل سبقته انقطاعات عدة بسبب الحصار المشدد الذي يفرضه الاحتلال الإسرائيلي الغاشم ومشاركة النظام المصري السابق في تطبيق هذا الحصار.
ولكي يسمع الفلسطينيون المحرومون من أبسط حقوقهم الإنسانية دعاة حماية حقوق الإنسان والمنظمات الدولية التي ترفع شعار حقوق الإنسان، وقفوا رافعين أصواتهم أمام مكتب المندوب السامي لحقوق الإنسان، داعين لتدخل عاجل من الأمم المتحدة ومؤسساتها المختلفة لوقف ما يشهده قطاع غزة من نقص حاد في الخدمات الأساسية.
يبدو أن هؤلاء المتظاهرين الذين خرجوا لتسليط الضوء على معاناتهم وليرفعوا الجرائم الإنسانية التي ترتكب بحقهم إلى أصحاب الضمائر من المسؤولين الدوليين والعرب الذين زعموا أنهم راعهم ما كان يجري في العراق قبل الغزو الأنجلو ـ أميركي وما كان يجري في ليبيا قبل تدخل حلف شمال الأطلسي، وما يجري في سوريا ومحاولات إرسال ما يسمى قوات حفظ سلام وتقديم مشاريع دولية، كانوا يعتقدون حين خرجوا للتعبير عن الانتهاكات المرتكبة بحقهم، أن ضمائر أولئك المسؤولين لا تفرق بين حقوق شعب وحقوق شعب آخر، وأن ميزان الحقوق لدى المنظمات والمؤسسات الدولية واحد لا تميل كفته لشعب دون آخر، إطلاقًا، وإنما ليفضحوا حقيقة المواقف الدولية وسياسة الكيل بمكيالين والنفاق التي تخرس ألسنتها وتصم آذانها عن قول الحق وسماعه حين يتعلق الأمر بجرائم الحرب والانتهاكات ضد الإنسانية التي يرتكبها الكيان الصهيوني، بينما أبواقها تجلجل حين يتعلق الأمر بجهة أو نظام أو دولة غير الكيان الصهيوني فتملأ ما يسمى المجتمع الدولي ومنظماته ومؤسساته ووسائل إعلامه ضجيجًا وزعيقًا؛ لأن الشعب الفلسطيني بات مقتنعًا ومسلمًا أمره بأن هناك العديد من القوى الدولية تناصبه العداء بدعمها غير المحدود السياسي والمالي والعسكري للكيان الصهيوني الغاصب الذي يمارس إرهابه كل يوم، وصباح مساء بحق الشعب الفلسطيني، وأنها تحمل كرهًا لكل ما هو فلسطيني، إذ كيف يعقل أن تستمر معاناة شعب ما يزيد على ستين سنة ارتكبت ـ ولا تزال ترتكب ـ خلالها جرائم حرب غير مسبوقة بحقه، في حين تستنفر هذه القوى التي تدَّعي حماية المدنيين وحقوق الإنسان والحرية ونشر الديمقراطية ضد دول وأنظمة بزعم انتهاكها لحقوق الإنسان إلا إذا كانت تهدف من وراء ذلك إلى أشياء تخدم مصالحها وتحقق أجنداتها؟
المندوب السامي من جهته طالب المجتمع الدولي بمختلف مؤسساته الحقوقية بالوقوف عند مسؤولياتها وضرورة التدخل لإنهاء هذه الأزمة ومنع انقطاع الكهرباء عن قطاع غزة، ولا ندري أي مجتمع دولي هذا الذي يطالبه وما هي مؤسساته الحقوقية التي يناشدها؟
الفلسطينيون استبشروا خيرًا بما يسمى "ثورات الربيع العربي"، فإذا بهم يجدون أنفسهم أنهم يقبعون في نفس المساحة الضيقة التي اختيرت لهم قبل "الربيع العربي".