حين يتابع المرء مواقف جامعة الدول العربية إزاء القضايا العربية، لا بد وأنها تستوقفه، وتضعه في حلقة محكمة الإغلاق من الاستفهامات، محاولًا كسر جدرانها لمعرفة حقيقة التباينات التي تعتري مواقف الجامعة تجاه قضية عربية وأخرى، حيث تأخذه حالة من الدهشة والاستغراب حول ذلك، باحثًا عن أجوبة صادقة لأسئلة جوهرية تدور في ذهنه من قبيل: أين كانت جامعة الدول العربية من القضية الفلسطينية؛ قضية العرب المركزية؟ وأين هي من الشأن العراقي قبل الغزو الأنجلو ـ أميركي وبعده؟ وأين هي من السودان ومشاريع تقسيمه التي كانت تمر عبر دهاليزها السياسية ودهاليز أعضائها؟ ولماذا ظهرت فجأة بهذه الحدة وهذه الصرامة تجاه قضايا عربية غير قضيتها المركزية، كما هو حال ليبيا وسوريا؟
لا بد للمواطن العربي الحريص على قضايا أمته وفي مقدمتها القضية الفلسطينية التي تجاوزت الستين سنة، أن تستوقفه تلك المواقف، فالشعب الفلسطيني يعد آخر شعب يعاني من أشرس وأعتى وآخر احتلال عرفه التاريخ، هو سبب نكبة الشعب الفلسطيني والمنطقة وشعوبها وسبب كوارثها، احتلال صهيوني لا تزال المنطقة تدفع فاتورته، وما يجري الآن وما يعد له في الخفاء من مؤامرات بتعاون غربي مكشوف ومفضوح، يقف وراءه الاحتلال الصهيوني ورعاته وحلفاؤه من المنظمات الصهيونية والقوى الغربية التي لا تزال جامعة الدول العربية تجد ضالتها في هذه القوى لحل مشاكلها.
ليس هناك مفارقة أقرب إلى استثارة فكر المواطن العربي وإثارة انتباهه من ما جرى من اجتماعات في جامعة الدول العربية أمس الأول بالقاهرة والتي تناولت أهم قضيتين عربيتين ساخنتين هما: الأزمة السورية، والقضية الفلسطينية. ففي الوقت الذي اتخذت فيه الجامعة قرارات صارمة وحازمة، حين تُردد على مسامع المواطن العربي يقع في خلده أن كل الشرور والموبقات في المنطقة وراءها النظام السوري الذي بدا من شدة القرارات، وتصميم الجامعة على الوقوف طرفًا إلى جانب المعارضة في مواجهته، أنه يرتكب جرائم لا تضاهيها ولا تساويها جرائم دولة الإرهاب الإسرائيلي بحق الشعب الفلسطيني، وأنه سبب نكسات الأمة العربية، وفي نفس الوقت نجد أن الموقف من القضية الفلسطينية اختلف اختلافًا جذريًّا في حدَّته وشدَّته ونبرته، بل إن الاجتماع المخصص لمناقشة القضية الفلسطينية لم يخرج بقرارات على غرار تلك التي كانت حول الأزمة السورية، وإنما هي عبارة عن دعوات وجهتها الجامعة للدول الأعضاء "لتوفير شبكة أمان مالية بمبلغ مئة مليون دولار شهريًّا للسلطة الوطنية الفلسطينية"، والدعوة "لانعقاد مؤتمر دولي خاص بالقضية الفلسطينية". طبعًا الأسباب واضحة لا تحتاج إلى عناء لاستنباطها من اختلاف طريقة التعاطي بين القضيتين.
إن هذه الملاحظات لا تعني إطلاقًا أن الشعب السوري لا يستحق الوقوف إلى جانبه ونصرة قضاياه العادلة، وتلبية مطالب المتظاهرين السلميين، ولكن التمني هو ـ على الأقل ـ مساواة الشعب الفلسطيني بالشعب السوري، باتباع النهج ذاته المتخذ حيال الأزمة السورية، إذا كانت النيات صادقة فعلًا، وبالتالي يجب أن تقام الدنيا ولا تقعد ضد الولايات المتحدة التي لا تزال تعطل قرارات الشرعية الدولية ومشاريع القرارات التي تدين الانتهاكات الإنسانية وجرائم الحرب الإسرائيلية بحق الشعب الفلسطيني باستخدام واشنطن الفيتو، كما أقيمت الدنيا ولم تقعد ضد روسيا والصين لاستخدامهما الفيتو ضد مشروع القرار الغربي ـ العربي حول الأزمة السورية؛ لأن في النهاية هذه الدول الغربية لا يهمها سوى مصلحتها ولا تتحرك إلا في هذا الإطار، خاصة وأن مشاريع الولايات المتحدة الهدامة في المنطقة واضحة، وذلك من أجل تقوية الكيان الصهيوني ضد دول المنطقة وتسلطه عليها.
وعليه، فالدعوة لعقد مؤتمر دولي حول القضية الفلسطينية في ظل غياب الحل السياسي العربي المشمول بالقرارات الصارمة لا يمكن حمله إلا على أنه تجميل للموقف تجاه سوريا وتسهيل تمريره. فماذا يعني عقد مؤتمر دولي في ظل تجاهل مبادرة السلام العربية العتيدة والاكتفاء بالإشارة إليها! وفي ظل الهيمنة الأميركية على العملية السلمية مع الكيان الصهيوني؟ وماذا تعني مئة مليون دولار للسلطة الفلسطينية ـ قد لا تستلمها تحت سلسلة ذرائع ـ مقابل السخاء المفرط في دعم المعارضة المسلحة السورية؟