في أحدث تقرير لجامعة الدول العربية يرصد تأثير الاحتلال الإسرائيلي على الاقتصاد الفلسطيني والوضع الإنساني الذي يعانيه الشعب الفلسطيني في كل من الضفة الغربية وقطاع غزة، أكد مدى ما تشهده الحياة المعيشية للشعب الفلسطيني من تدهور ملحوظ، حيث تتربص أنياب الجوع بما يزيد على ثلاثة ملايين فلسطيني في كل من الضفة وغزة جلهم أولئك الذين ضرب عليهم الاحتلال طوقًا محكمًا من الحصار في القطاع.
فقد أوضح التقرير الذي أصدرته الجامعة أمس أن نحو 26 بالمئة من أبناء الشعب الفلسطيني يعيشون تحت خط الفقر (بمعدل 18 بالمئة في الضفة الغربية ونحو 38 بالمئة في قطاع غزة). وأنه وفقًا لبرنامج الغذاء العالمي (2011) فقد واجهت 50 بالمئة من الأسر الفلسطينية انعدام الأمن الغذائي، وقد تركزت النسبة الأكبر في قطاع غزة نتيجة تعذر وصول المزارعين لنحو 35 بالمئة من أراضي القطاع الزراعية ونحو 85 بالمئة من مجاله البحري. وفي تقرير سابق للجامعة مستندًا إلى تقديرات الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، فإن نحو 37,8 في المئة واجهوا انعدام الأمن الغذائي من السكان (بمعدل 61 في المئة في قطاع غزة، و25 في المئة في الضفة).
ويتضح من خلال نسب التقريرين أن تفاقم الوضع المعيشي والإنساني للشعب الفلسطيني آخذ في التصاعد.
إن هذه التقارير الموثقة والراصدة للواقع الاقتصادي الفلسطيني بقدر ما ترتب مسؤوليات أخلاقية على الاحتلال الإسرائيلي، بقدر ما ترتب أيضًا مسؤوليات أخلاقية أكبر على جامعة الدول العربية، وعدم الاكتفاء بإطلاق التصريحات المستنكرة والتي تحمل المحتل الإسرائيلي المسؤولية الكاملة عن تعميقه الاختلالات الهيكلية للاقتصاد الفلسطيني وزيادة الفقر وإهدار المردود التنموي المرجو من المساعدات الدولية، فالجامعة من مهامها حماية شعوب أعضائها والدفاع عن مصالحهم.
الاحتلال أي احتلال كان لا يهمه الوضع المعيشي والاجتماعي لمن قام باحتلالهم، فكيف الحال بالاحتلال الإسرائيلي الذي يعد أبشع وأبغض احتلال عرفه التاريخ، اغتصب الأرض الفلسطينية ويعمل على تمكين كيانه بشتى الطرق؛ تارة بالممارسات العنصرية وقتل وتشريد الفلسطينيين وتجويعهم ومحاصرتهم وهدم منازلهم على رؤوسهم، وتارة بإحداث الوقيعة بينهم، رافضًا الاعتراف بهم وبحقوقهم.
جامعة الدول العربية اعترفت بآثار تصعيد سياسات العزل والإغلاق وتقطيع التواصل بين المدن والقرى والمناطق الفلسطينية وتقييد حرية الحركة والتنقل في الضفة الغربية، عبر استمرار وجود أكثر من 550 حاجزًا ـ عائقًا إسرائيليًّا، واستمرار الحصار المفروض على قطاع غزة، على حياة الشعب الفلسطيني والذي أعاد بعض أنماط حياة الشعب الفلسطيني إلى قرون سابقة.
تقرير الجامعة عن الوضع الفلسطيني ليس جديدًا، فهي بصفة دورية تقريبًا تخرج بتقارير ترصد فيها الأوضاع المأساوية التي يكابدها الفلسطينيون، وانتهاكات حقوق الإنسان غير المسبوقة التي يمارسها صباح مساء الاحتلال الإسرائيلي.
لكن هذا الرصد الدقيق للجامعة حول الوضع الفلسطيني ـ والذي يعد دليلًا على الانتهاكات الإسرائيلية لحقوق الإنسان والتي تصنف ضمن جرائم الحرب وضد الإنسانية ـ يدين تخاذل الجامعة عن مناصرة الشعب الفلسطيني، بالمقارنة إلى ما تبديه من حماس منقطع النظير حين يتعلق الأمر بشعب عربي آخر ليس الشعب الفلسطيني، وليس الإسرائيليون وكيانهم فيه طرفًا، على النحو الذي رأيناه من توجيه حرابها وتفعيل مواثيقها باتجاه ليبيا وقيادة التدخل الأجنبي فيها وتدمير بناها التحتية، وما تمارسه الآن من ضغوط وقرارات وبروتوكولات ومقاطعة اقتصادية ضد سوريا والتلويح تارة بتدويل الأزمة، وتارة أخرى بإرسال قوات عربية، فضلًا عن قيام دول عربية بدعم المسلحين بالمال والسلاح والإعلام. أليست هذه مفارقة غريبة وعجيبة ومثيرة لعلامات الاستفهام؟