مأساة الأشرفية ليست الأولى ويُخشى أن لا تكون الأخيرة.

مبنى قديم يعود بناؤه إلى أكثر من خمسين سنة، تجري حوله أعمال حفر لإنشاء بناء جديد، تتجمَّع الأسباب لتؤدي إلى المأساة:

مبنى قديم لم تعمل فيه يد الصيانة يوماً. ارتجاجات ناجمة عن أعمال بناء ملاصقة له، وعاصفة الأمطار التي ضربت لبنان.

إذاً، إذا كان هناك من تقرير علمي فمن أين يجب أن يبدأ؟


البداية تكون من واقع المبنى:  متى آخر مرة تم الكشف عليه؟  ما علاقة المالك بالمستأجرين؟
هل من شكاوى قُدِّمَت إلى البلدية عن واقعه المهدد بالسقوط في أي لحظة؟

إذا كانت كل هذه الترتيبات لم تُتَّخذ فهناك مشكلة، وإذا كانت اتُخِذَت ولم تسلك طريق التنفيذ فهناك مشكلة أكبر. السؤال الذي يطرح نفسه اليوم، وبعد الكارثة، هو:

كم من الأبنية في بيروت وفي خارج بيروت الذي يشبه وضعها وضعَ المبنى المنهار؟
هذا السؤال هو من الأسئلة المستحيلة لكن الإجابات عنه ليست مستحيلة:

فالبداية تكون بإجراء مسح شامل لكل الأبنية، القديمة منها والجديدة، فعمر المبنى وقِدمه ليسا السبب الوحيد ليكون عرضة للتصدع والإنهيار، فكم من الأبنية القديمة تبدو متينةً أكثر بكثير من الأبنية الحديثة؟

إذاً مع قِدَم المبنى يجب التركيز على متانته وصيانته وعلى مراقبته دورياً سواء من مالكيه أو من مستأجريه، أو من المسؤولين المعنيين كنقابة المهندسين أو بلدية بيروت، للتأكد من سلامة هذا البناء أو من عدم سلامته.


ماذا يحصل من كل ذلك؟

لا شيء. فالأمور متروكة على غاربها، يتحمَّس المسؤولون عند وقوع الكارثة ثم رويداً رويداً تخفت الحماسة لتغيب كلياً ولا تعود وتتجدد إلا عند حدوث كارثة ثانية، ففي السنوات العشر الأخيرة وقع ما يقارب العشر كوارث من هذا النوع، منذ انهيار المبنى على الطريق العام في الكحالة، وصولاً إلى المبنى المنهار في الاشرفية، مروراً بالإنهيارات في الخندق الغميق وزقاق البلاط وعين الرمانة، فماذا كانت نتيجة المعالجة؟ لا شيء.

إن المعالجة يجب أن تبدأ والمماطلة لم تعد تجوز، والمسؤولية في هذا المجال جماعية، فهي تبدأ من المواطن الذي يسكن مبنى تُثار الشكوك حول أهليته، ثم تتوسع المسؤولية لتستقر عند البلديات التي عليها إجراء مسح دوري للأبنية، وصولاً إلى الوزارات المختصة.

ما لم يتم البدء بهذه الآلية فإنه يُخشى أن تستمر الكوارث سواء بطقس عاصف أو بطقس صاح، لأن المشكلة من صنع الإنسان وليست من صنع الطبيعة.