هل واقعنا العربي والإسلامي الآن هو كبش فداء لنظرية المؤامرة؟ أم أن هذه المؤامرة هي من نسج خيالنا وشماعة يعلق عليها ساستنا ومثقفونا ومفكرونا ودعاتنا عجزهم عن معالجة مشاكلنا؟ أم أنها واقع من صنع أعداء أمتنا وقضايانا ابتلينا به؟
إن نظرية المؤامرة كانت ولاتزال من وسائل الدفاع التي يشهرها الغرب واسرائيل في وجه الاتهامات الموجهة إليهما، فحين نوجه إصبع الاتهام إلى الغرب واسرائيله بالضلوع في حدث ما، يلوح بهذه النظرية؛ نافيا عن نفسه التهمة، متهما الشعوب العربية والإسلامية بادمان نظرية المؤامرة. لكن السؤال الذي يطرح نفسه: هل الغرب واسرائيله يتآمران ضد أمتنا العربية والاسلامية أم أنه اتهام مجرد من أي أدلة؟ واننا فعلا مدمنو نظرية المؤامرة؟
إن ما تم كشفه مؤخرًا وتحديدًا أمس الأول في مجلة "فورين بوليسي" هو فصل من فصول نظرية المؤامرة، حيث ذكرت المجلة أن عناصر في جهازالاستخبارات الإسرائيلي (موساد) جندوا ناشطين في المنظمة الباكستانية جند الله لتنفيذ هجمات في إيران، بعدما ادعوا أنهم عناصر من وكالة الاستخبارات المركزية (سي آي إيه)، وأن السي آي إيه اكتشفت ـ حسب مذكرات تعود إلى 2007 و2008 ـ أن عناصر من الموساد قاموا بنشاطات تجنيد أعضاء في جند الله خصوصًا في لندن بعدما ادعوا أنهم عملاء لوكالة الاستخبارات المركزية مستخدمين جوازات سفر أميركية ودولارات.
إن هذا الكشف ينطوي على أمور عدة، منها: أولًا: أن الكشف في حد ذاته هو رد مفحم على الكيان الإسرائيلي وأجهزة استخباراته وحلفائه الذين يرفضون جملة وتفصيلًا أي علاقة لهم بكل ما يحدث في أي دولة عربية أو إسلامية من أزمات وقضايا، أو في أي دولة غيرهما ويتم إلصاق التهمة بمن يحملون الهوية العربية أو الإسلامية. ثانيًا: هذا الكشف أكبر دليل على أن ما يحدث من اقتتال وتناحر بين الطوائف الإسلامية والعرقية، وشروخ وتصدعات في تآلفها وانقسامات في وحدتها، ليس الغرب وخاصة الإسرائيليين بريئين منه.
ثالثًا: إن الجماعات المسلحة التي تتخذ من الإسلام ستارًا أو شعارًا وتنفذ هجمات، سواء ضد السنة أو ضد الشيعة، إنما هي تعرف مع من تتعامل، فهي تتعامل مع الاستخبارات الغربية وفي مقدمتها الأميركية.
وبناء على ذلك فإن أغلب الجماعات المسلحة التي تتستر بستار الدين هي عبارة عن أذرع استخباراتية لضرب الوحدة العربية والإسلامية، لإفشال أي مشروع قومي وحدوي ينهض بالأمة ويقوي أركانها ويذود عن حياضها ويعطيها الحصانة الكافية، وهذا الفعل الإسرائيلي الشنيع يقودنا إلى أن ما يجري في العراق من تناحر بين أبنائه (سنة وشيعة) له صانعوه ومخططوه، وإن كان يختلف منفذوه، كما يقودنا إلى أن تأزيم الأوضاع في سوريا والترويج لحرب أهلية وطائفية بين العلويين والشيعة من جهة والسنة من جهة أخرى، لا يخرج عن هذا السياق الخبيث، لضرب الوحدة وتفتيت الدولة.
إن ما يندى له الجبين أن تسيء جماعات تلتحف بلحاف الدين إلى رسالة سماوية هي خاتمة الرسالات، وإلى أتباعها، لتجر عليهم الدمار والخراب والوبال، إذ لا يهم من يجندهم، سواء الموساد أو السي آي إيه، فهم قد قبلوا أن يتحالفوا مع أعداء الأمة والمنطقة ودولها.
على الجانب الآخر، نرى عبر هذا الكشف أن الموساد الإسرائيلي من الممكن أنه قد استطاع أن ينجز مخططات من خلال هذه الجماعات، ليفسد ويخرب العلاقات بين الدول العربية والإسلامية ببعضها بعضًا، وبينها وبين دول غربية ذاقت من كأس الإرهاب، لكنه صناعة إسرائيلية، وبتقديم أيادٍ ليست إسرائيلية.
إن هذا الكشف يجب أن يعطينا دافعًا نحو الوحدة، ومطاردة أعوان الاستخبارات الغربية وعملائها، ونتخلص من الأسباب الذاتية التي تعوق تحركنا وتحررنا، بما يقوي وحدتنا، فالتآمر ضد أمتنا ليس وهما، ونحن لسنا مدمني نظرية المؤامرة ولكن علينا أن نتخلص من كل العوامل التي توفر لأعداء أمتنا الأرضية الملائمة لتنفيذ مؤامراتهم.