إذا كان توالي الزيارات وتبادلها والتوقيع على مذكرات التفاهم والاتفاقيات وتبادل المنافع والخبرات والمصالح المشتركة بين الدول، سمة من سمات العلاقة الطيبة والقوية بينها، فإن على الجانب الآخر ثمة ما يدفع في هذا الاتجاه متمثلًا في طبيعة السياسة والاقتصاد وقوته ونمائه، والاستقرار السياسي والأمني والمقومات السياحية.
وفي ظل ما يشهده العالم من تغيرات اقتصادية وسياسية وتطورات تقنية وعلمية فإن الحاجة إلى التكامل والتواصل وفتح الجسور لذلك أمر تفرضه سنة الحياة، إذ لا يمكن أن تبقى دولة ما قابعة ومنطوية على نفسها، بينما تتحرك عجلات التنمية وتتوزع الثروات وتتعدد المجالات الإنسانية والبشرية والاقتصادية والعلمية في غيرها من دول العالم، لأنها في هذه الحالة تكون قد حكمت على نفسها بالفشل والنهاية.
وفي السلطنة اتجهت السياسة العمانية منذ بزوغ فجر النهضة المباركة إلى مد يد الصداقة وإقامة جسور التواصل والعلاقات مع الدول، وفق الركائز والمحددات التي أرادها قائد هذه المسيرة المباركة والتي تقوم على الاحترام المتبادل وتبادل المصالح وعدم التدخل في شؤون الغير، واعتماد لغة الحوار أساسًا لحل مشاكل العالم، ما وفر لبلادنا مساحة لحراك مستمر في جميع المجالات، حيث كان لهذه السياسة المنطلقة من الرؤية الحكيمة لحضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم ـ حفظه الله ورعاه ـ آثارها التي نشهدها اليوم متمثلة في الشهرة التي حظيت بها بلادنا على المسرح الدولي، والاحترام الكبير الذي تحظى به لدى دول العالم حكومات وشعوبًا، وطبيعة علاقات الأخوة والصداقة وما أضفته على البلاد من آثار إيجابية نتيجة لتبادل الخبرات والاستفادة من الإمكانات والقدرات والكفاءات المتوفرة لدى الدول الشقيقة والصديقة.
وتعد زيارة جلالة الملكة بياتركس ويلهلمينا ملكة مملكة هولندا للسلطنة، حيث كان جلالة السلطان المعظم ـ حفظه الله ورعاه ـ في مقدمة مستقبلي جلالة الملكة أمس، انعكاسًا حقيقيًّا لمدى ما وصلت إليه العلاقات بين البلدين من تطور واهتمام متنامٍ، أكدت ذلك مذكرات التفاهم والاتفاقيات التي وقعت بين السلطنة ومملكة هولندا أمس للتعاون في مجالات التنمية الاقتصادية المستدامة ونقل البرامج والتعليم التقني والتدريب المهني والنقل.
وقد جاءت تصريحات المسؤولين الهولنديين أثناء مراسم التوقيع أو اللقاءات المتعلقة ببحث تطوير علاقات التعاون الاقتصادي والتجاري بين السلطنة ومملكة هولندا الصديقة وتعزيز علاقات الشراكة بين رجال الأعمال والشركات في البلدين، لتعبر عن مدى الثقة في الاقتصاد العماني، وإثراء العلاقات القائمة بالاستفادة من الفرص المتاحة، حيث ستكون الخبرات الهولندية حاضرة في مشاريع البنية الأساسية المتعلقة بالمطارات والموانئ والأنشطة الخاصة بالتعليم التقني والتدريب المهني، وكذلك في مجال استخراج النفط والغاز وفي مجال الأمن الغذائي.
وتبادل المعلومات حول السياسات وبرامج الدعم المتعلقة بتنمية المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، وتقديم المساعدة للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة في كلا البلدين لإقامة اتصالات تجارية وروابط وشبكات من خلال منافذ التجارة ومطابقة الأعمال بين البلدين، والمشاركة في تنظيم الاجتماعات والندوات وحلقات العمل والمعارض التجارية في كلا البلدين أو بلد ثالث لترويج الاستثمار والمشاريع المشتركة وتبادل المعلومات. وتبادل الزيارات لغرض الدراسة والتدريب وتبادل الخبرة فيما يتعلق ببرامج مساعدة المؤسسات الصغيرة والمتوسطة في كلا البلدين، وتشجيع الارتباط الاستراتيجي والتنسيق فيما بين تلك المؤسسات.
مجمل القول إن هذا الحراك السياسي والاقتصادي والاستثماري لبلادنا ما كان له أن يكون بهذا الزخم لولا السياسة الحكيمة التي اختطها جلالة السلطان المعظم ـ حفظه الله ورعاه.