لم يعد من نافلة القول ان انجاز الاصلاح هو مسؤولية الجميع، وأن لا عذر لكائن من كان بعدم المشاركة في هذه المسيرة، والتي تعتبر ضرورة من ضرورات النهوض بالوطن، وتحديثه وتطويره، وترسيخ قيم الديمقراطية والعدالة والمساواة والنزاهة والشفافية، وصولا إلى تداول السلطة.
وفي هذا الصدد، لا بد من التأكيد على رؤية جلالة الملك عبدالله الثاني إلى الاصلاح بمعناه الشمولي “السياسي، الاقتصادي، الاجتماعي، الاداري” واصراره على مشاركة جميع أبناء الوطن في هذا الانجاز.
ومن هنا قاد جلالته الحوار مع كافة ممثلي الفعاليات للوصول إلى قواسم مشتركة “ووفاق وطني” يحدد الاولويات، ويمهد لانطلاق المسيرة برزمة من التشريعات والقوانين، تشكل روافع حقيقية للاصلاح السياسي، فشجع جلالته وتبنى التعديلات الدستورية، والتي من شأنها تعزيز الديمقراطية والتعددية، واجراء انتخابات نيابية بمنتهى النزاهة والشفافية، باشراف هيئة مستقلة تؤسس لهذه الغاية، والفصل بين السلطات وتكريس الحرية الشخصية، وتحويل الوزراء المتهمين إلى المحكمة الدستورية...إلخ.
جلالة الملك وجد في الربيع العربي فرصة ثمينة للاسراع في الاصلاح والتحديث، فانحاز إلى هذا الربيع.. وأعلن تأييده المطلق لحق الشعوب العربية في التغيير والديمقراطية والتعددية، وحقها في محاربة الفساد واقامة الدولة المدنية الحديثة.. ومن هنا انحاز للحوار كوسيلة حضارية وحيدة لتحقيق الاصلاح، واستطاع بهذه الرؤية السديدة المستنيرة أن ينقذ الوطن من المزالق والمتاعب، في حين انحازت أنظمة في اقطار شقيقة إلى القوة العسكرية والحلول الأمنية، فأغرقت البلاد في الفوضى وأنهار الدماء.. وفتحت الباب على مصراعيه للتدخلات الأجنبية، كما حدث في ليبيا، وكما هو بات متوقعا في سوريا، في ظل استمرار حمامات الدم والقتل.
إن نظرة سريعة لما تحقق، نجد ان النموذج الأردني في الحراك الشعبي أصبح مثالاً يحتذى في المنطقة، فلم يسجل خلال عام من المظاهرات والمسيرات والاعتصامات اية حادثة تسيء إلى النظام العام، وهذا يؤكد احترام الحكومات لخيار المواطنين، وحقهم المشروع في التظاهر السلمي.
ومن ناحية اخرى، فلقد استطاع هذا الحراك ان يطرح قناعاته ومطالبه، حيث تبنى صانع القرار هذه القناعات، وهو ما تجسده التعديلات الدستورية، وفي التوافق العام بضرورة تشريع قانون انتخاب ديمقراطي عصري يجسد المساواة والعدالة.. ويفضي إلى مجلس نواب قوي وقادر على تمثيل المواطنين وتجسيد احلامهم وطموحاتهم، وقادر على التصدي للفساد والمفسدين، واعادة الهيبة للسلطة التشريعية.
مجمل القول: ان نظرة سريعة لمسيرة الاصلاح.. تجعلنا نؤكد ان انجاز هذا الهدف النبيل هو مسؤولية وطنية يلتقي عليها جميع المواطنين, ولا عذر لمتخلف عن المشاركة في بناء الوطن، واعلاء مداميك نهضته.. ليبقى واحة للديمقراطية والتعددية، ودولة قانون ومؤسسات.. تؤوي اليها الاشقاء هرباً من الهجير العربي..