تجاوب الفلسطينيون مع بيان الرباعية وذهبوا إلى عمان لاستكشاف إمكانية استئناف المفاوضات المباشرة مع الجانب الاسرائيلي. ومع أن كل المؤشرات أظهرت، وتظهر كل يوم، أن الحكومة الاسرائيلية ما تزال على نفس المسافة البعيدة عن عملية السلام بالمفهوم المقبول فلسطينيا ودوليا، فإن الذهاب إلى مفاوضات غير مباشرة- وهي من حيث الحقيقة والجوهر ليست حتى مفاوضات، وإنما مجرد جس نبض، يثبت للعالم، إن كان ما يزال في حاجة إلى إثبات، أن الفلسطينيين رغم كل ما يتقوله الجانب الآخر عنهم، مستعدون للذهاب حتى آخر الشوط، سعيا وراء السلام العادل الذي يحقق لهم تطلعاتهم الوطنية المشروعة.
هذه الاتصالات غير المباشرة تأتي استجابة لجهود دولية، ربما أميركية وأوروبية في معظمها، ترمي للإبقاء على زخم العملية السلمية التي توقفت أو تم تجميدها، بسبب إصرار اسرائيل على التوسع الاستيطاني. وقد سجلت السلطات الاسرائيلية خلال السنة الماضية رقما قياسيا جديدا في عدد الوحدات اسكنية التي بنتها، أو هي تخطط لبنائها، في المستوطنات اليهودية بالضفة الغربية، مع أنها تدرك أن الاستيطان في مفهومه وممارسته مرفوض من قبل المجتمع الدولي، وعقبة كبرى في طريق السلام، وهذا ما نصت عليه قرارات الشرعية الدولية خلال ما يزيد عن أربعة وأربعين عاما هي عمر الاحتلال الاسرائيلي.
والسؤال هو :هل تغير الموقف الاسرائيلي المساند للبناء الاستيطاني إلى الحد الذي يسمح باستئناف المفاوضات، بشكل أو بآخر؟ الحقيقة التي لا يجادل فيها اثنان هو أن هذا الموقف ثابت ولم يتغير. لكن المحاولة الفلسطينية الراهنة تهدف، من حيث المبدأ، إلى كشف هذا الموقف المتشدد للمجتمع الدولي، ووضع هذا المجتمع أمام مسؤولياته.
ومما لا شك فيه أن الأسرة الدولية تمتلك من القدرات والآليات ما يفرض عليها أن تعمل، بكل الوسائل المتاحة، على الضغط على اسرائيل لوقف الاستيطان، والدخول جديا في عملية مجدولة زمنيا لإنهاء الاحتلال وفقا للمرجعيات الدولية المطروحة.
وإذا لم يتغير الموقف الاسرائيلي من الاستيطان،، فإن إمكانية الدخول في مفاوضات مباشرة- وفقا لما أعلنه المسؤولون الفلسطينيون- غير واردة على الإطلاق. وفي هذه الحالة، فإن الفلسطينيين سيسعون دون شك إلى وسائل دبلوماسية وطرق سلمية بديلة، لمواجهة التعنت الاسرئيلي الذي يستند إلى توجهات توسعية غير خافية على الرأي العام العالمي، لابتلاع الأراضي المحتلة وتهويدها وتفريغها من أصحابها الشرعيين.
يبقى أن يتذكر الجميع أن الوحدة الوطنية والبرنامج الاستراتيجي الوطني الواحد، البعيد عن العنف، هما الأرضية التي يمكن لها أن تواجه الصلف الاسرائيلي. ومن هنا، فإن الشعب الفلسطيني يطالب فصائله بإدراك خطورة المرحلة، والتصرف بما يقتضيه الانتماء لفلسطين، قضية وشعبا، من الارتفاع فوق الفئويات والمصالح الذاتية والحزبية الضيقة.