الوضع في العراق يؤكد أن ذلك البلد بالفعل سائر في طريق المجهول، حيث متوالية المفخخات والاستهدافات تشير إلى أن من يمسكون بزمام قيادته باتوا غير قادرين على التقيد بلوائح المسؤولية الوطنية والانتماء لتجنيبه مخاطر التدهور بسبب هذه المفخخات، بعد التطورات المتسارعة في المشهد السياسي والتي أعقبت انتهاء المظهر العسكري للاحتلال الأميركي، مضيفين إليها مفخخات سياسية طائفية من الوزن الثقيل، حيث بدت الرغبة واضحة من قبل الطرف الممسك بالسلطة في إرجاع عجلة الزمن إلى الوراء.

 حيث الحزب الواحد الحاكم الذي تحالفوا مع المحتل الأنجلو ـ أميركي لإقصائه عن السلطة بدعوى الديكتاتورية والظلم وغيرهما من الشعارات التي بسببها ركَّعوا العراق أمام قوة غاشمة قتلت وشردت الملايين من أشقائهم وأقاربهم ومواطنيهم من الشعب العراقي، وتسليم من بقي منهم إلى قبضة الموت والسيارات المفخخة والقنابل المزروعة على جوانب الطرق، ومن يسلم من هذا الشر المستطير يلتقيه مصير آخر، حيث يجد في انتظاره أنياب الحرمان من أبسط الحقوق، وأنياب الجوع والفقر والجهل والمرض.

مرة أخرى وبعد فاصل زمني بسيط عن تلك التفجيرات التي استهدفت العاصمة العراقية بغداد وجنوبها ووسطها وغربها والتي وصلت حوالي ثلاثة عشر تفجيرًا بسيارات مفخخة وقنابل مزروعة، عاودت تلك التفجيرات أمس لتضرب مجددًا غرب بغداد وشمالها، حيث استهدفت أحد عشر تفجيرًا بعبوات ناسفة منازل مسؤولين في الصحوة والجيش ودوريات أمنية في مناطق متفرقة في بعقوبة، وأسفرت عن مقتل ثلاثة أشخاص بينهم طفلان وإصابة 15 شخصًا آخرين.

إن هذا التفجير الأمني لا يمكن فصله عن الأزمة السياسية الناشبة بين رئاسة الحكومة وقائمة العراقية التي علقت عضويتها في الحكومة وقاطعت جلسات مجلس النواب على خلفية اتهامات بـ"الإرهاب" وجهها القضاء العراقي ـ حسب رئاسة الحكومة ـ إلى نائب رئيس الجمهورية طارق الهاشمي لضلوع عدد من حراسه فيها، ومطالبة رئيس الحكومة نوري المالكي إقليم كردستان بتسليم الهاشمي إلى القضاء، ما جعل قائمة العراقية تعتقد بأن هناك مؤامرة تستهدفها بإقصائها عن المشهد السياسي ومحاولات استئثار بالسلطة من قبل طرف لصالح طائفته وحزبه.

 وفي مقال نشرته إحدى الصحف الأميركية قال الزعماء الثلاثة في قائمة العراقية إياد علاوي وأسامة النجيفي ورافع العيساوي "إن العراق يتجه نحو فردية طائفية تهدد باندلاع حرب أهلية"، وإن "زعماء العراقية يتعرضون إلى الملاحقة من قبل المالكي الذي يحاول طردنا من الحياة السياسية العراقية وتأسيس دولة استبدادية ذات الحزب الواحد".

إن العراق بتركيبته المتداخلة وبتشعب طوائفه المكونة لمجتمعه، أصبح ضربًا من الماضي الحزب الواحد الحاكم، خاصة بعد أن نجح الاحتلال الأميركي في زرع بذور الطائفية البغيضة ممزِّقًا ذلك التعايش الجميل والمثالي الذي كان يؤطر تلك التركيبة المجتمعية، ولذلك فإن أي فكرة تتضمن التهميش والإقصاء والانتصار للحزب والطائفة هي وصفة للفتنة على النحو الذي نراه الآن، وعليه فإنه لا يبدو في الأفق حل أفضل غير طريق التوافق كأفضل سبيل لتجنيب العراق من مخاطر الانزلاق إلى حرب أهلية ومخاطر التقسيم، وإن كان التحزب أو الاصطفاف الطائفي الذي يسعى إليه من يمسكون بالسلطة ويتحكمون بمفاصل الدولة وتحديدًا الأمنية يكشف أيضًا مدى تناقضهم وزيف شعاراتهم التي رفعوها قبيل وأثناء الغزو.