رويدًا رويدًا يكشف الكيان الإسرائيلي ما يخبئه من حقد دفين ومتأصل وكراهية غير محدودة تجاه الشعب الفلسطيني، لا سيما السلطة الوطنية الفلسطينية الممثل الشرعي له، بعد نجاح الرئيس الفلسطيني محمود عباس في تحقيق تقدم في ملف المصالحة، وإدخال حركتي حماس والجهاد الإسلامي في اللجنة الإطارية لمنظمة التحرير الفلسطينية التي عقدت اجتماعها في الثاني والعشرين من ديسمبر الجاري بالقاهرة، بالإضافة إلى الاتفاق على إنهاء ملف المعتقلين بإشراف مصري، وموعد الانتخابات المقبلة.
فواضح أن الرئيس أبو مازن قد وجه صفعة قوية أخرى للمحتل الإسرائيلي بهذه الخطوات بعد رفض المفاوضات العبثية، ولذلك لا نستغرب أن يحاول الكيان الإسرائيلي خلط الأوراق، ويلجأ إلى عمليات التشويش والتلويح بالتهديد والوعيد ضد القيادة الفلسطينية لتمس بصورة مباشرة شخص رئيس السلطة، ومن بين هذه الوسائل التي يتبعها المحتل الإسرائيلي حاليًّا لإفشال أي مسعى يقوم به الفلسطينيون لترتيب بيتهم:
أولًا: المساس بمكانة مدينة القدس المحتلة، حيث تدرس اللجنة الوزارية لشؤون التشريع الإسرائيلية مشروع قانون يعتبر القدس عاصمة "لإسرائيل وللشعب اليهودي"، تحقيقًا للأحلام التلمودية بما يسمى دولة "إسرائيل اليهودية" وعاصمتها القدس الموحدة الأبدية. ثانيًا: تسريع وتيرة الاستيطان الذي تعلن حكومة الاحتلال بين الفينة والأخرى عن مشاريع استيطانية ضخمة، كان آخرها الإعلان أمس الأول عن مشروع استيطاني ببناء 130 وحدة سكنية جديدة في مستوطنة جيلو وبناء مجمع سياحي في حي سلوان الفلسطيني في القدس الشرقية المحتلة.
ومعروف موقف المجتمع الدولي من الاستيطان الذي يمثل عقبة أمام أي تسوية وعائقًا لتحقيق السلام وحل الدولتين، فهو مدان دوليًّا. ثالثًا: التلويح باستهداف الرئيس محمود عباس شخصيًّا، حيث شن وزير الخارجية الإسرائيلي المتطرف أفيجدور ليبرمان الليلة قبل الماضية هجومًا عنيفًا على عباس، مطالبًا حكومة الاحتلال بمحاصرته في مقر المقاطعة بمدينة رام الله بالضفة الغربية المحتلة ومنع تنقله، وذلك بعدما وقع اتفاق المصالحة مع حركة حماس.
أما وزير المعارف الإسرائيلي جدعون ساعر اعتبر أن عباس "سيندب حظه بعد سيطرة حماس على منظمة التحرير كما سيطرت على السلطة عام 2006م"، زاعمًا أن "حماس حركة منظمة تشتغل بتخطيط، فهي لا تريد مصالحة وإنما تريد تطويق السلطة والسيطرة على مناطق الضفة ومطاردة فلول عباس". رابعًا: الاستهدافات الجوية والبرية اليومية ضد المدنيين في قطاع غزة تحت مزاعم وحجج كاذبة.
إن مثل هذه التهديدات والتلويحات والاستهدافات هي من أجل خلط الأوراق وإفشال المصالحة، لأن الواضح من تصريحات ليبرمان وساعر هو التركيز على المصالحة، فالإسرائيليون على يقين بأن عودة المياه إلى مجاريها، وعودة العلاقة إلى سابق عهدها بين فتح وحماس لن تتيح لهم فرص تغيير الوقائع على الأرض والاستفراد بالشعب الفلسطيني فصيلًا فصيلًا، بعد أن كان الانقسام قد وفر لهم غطاءً كبيرًا للنيل منهم وسرقة حقوقهم وأرضهم، والانقضاض على أي فرص لقيام دولة فلسطينية.
ولذلك فإننا نرى أن الرد الحقيقي لكل هذه التهديدات هو الإسراع الفوري والعاجل بإنجاز اتفاق المصالحة الفلسطينية، وأن تكون تلك التهديدات دافعًا للمضي في هذا الاتجاه، وترجمة ما تم الاتفاق عليه على الواقع، والعمل على إدخال كافة الفصائل الفلسطينية في منظمة التحرير كونها الممثل الشرعي للشعب الفلسطيني، وذلك لأن الظرف الدقيق الذي تمر به القضية الفلسطينية يحتاج إلى تكاتف وتضافر الجهود، وليس اليوم أدعى من إنجاز ذلك في ظل الإجماع الفلسطيني وتعالي الأصوات الفلسطينية المطالبة بالمصالحة وسرعة إتمامها.