الخبر المنسوب لمصادر اسرائيلية حول انخفاض أسعار الوحدات السكنية في المستوطنات اليهودية بالضفة الغربية، قياسا لأسعارها داخل الخط الأخضر، وأن الفارق بينهما يصل مئات الآلاف من الشواكل، تقابله من الناحية الأخرى أزمة السكن الخانقة في القدس الشرقية، حيث لا تصدر رخص البناء إلا بشق الأنفس، بعدد محدود وبتكايف مالية باهظة.

والرسوم التي يدفعها من يسعفه الحظ، وهم قلة، بالموافقة على رخصته، تفوق حرفيا تكاليف بناء الشقة نفسها.هذا علما بأن أسعار مواد البناء "في العلالي" كما يقولون. وهناك مراقبة مشددة على خلاطات الباطون لمعرفة أين تذهب، وهل حصل المشتري على رخصة أم لا. وأقل مخالفة ااتفاصيل الواردة في الرخصة تعني حكما هدم البناء، لأن الرخصة في رأي السلطات مؤقتة وليست دائمة، ما يعني منح السلطات الحرية لسحبها لأي ذريعة قد تراها مناسبة، و حتى دون ذريعة كهذه.

وبعد أن ينتهي بناء الشقة "بطلوع الروح"، لا يتوقف الأمر عند هذا الحد. فهناك ما يعرف بـ "التوفس أربعة"، الذي يعتبر بمثابة رخصة ثانية من حيث التكاليف والتدقيقات على كل صغيرة وكبيرة، وربما يتسبب الإخلال بأي بند في سحب الرخصة أو البدء في إجراءاتها من جديد.

وأي زيادة على المخطط الموافق عليه ولو بعدة سنتيمترات طولا أو عرضا تعني مخالفة باهظة الغرامة في حالة الحظ الحسن. أو ربما هدم المبنى إن لم يكن الحظ حسنا. وهذه القيود التعجيزية، في رأي المواطنين، القصد منها هو الحد من البناء والعمران للعرب. هذا علما بأن المواطن الفلسطيني يبني بيته من ماله الخاص، الذي جناه بالتعب والعرق لسنين عديدة من أجل أن يوفر لعائلته سكنا بالمواصفات الآدمية.
وفي الوقت الذي تبني فيه الحكومة الاسرائيلية آلاف الوحدات السنية للمستوطنين دون أن يتكبدوا عناء الحصول على رخص، وتقدم لهم هذه الوحدات بسعر يكاد يكون مجانيا، فضلا عن امتيازات وتسهيلات متعددة، فإن هذه السلطات لا تتوقف عن هدم البيوت التي يبنيها المواطنون الفلسطينيون في القدس الشرقية، بل وفي الضفة الغربية، لسبب أو دون أي سبب على الإطلاق، وكأنها تطالبهم بشكل ضمني بالرحيل عن وطنهم، وتركه للمستوطنين القادمين من كل حدب وصوب ليغيروا الطابع العربي والفلسطيني للأراضي المحتلة.

هذا الوضع الصعب الذي يحياه الفلسطينيون هو، بكل المقاييس، انتهاك صريح وفاضح لمواثيق جنيف وميثاق حقوق الإنسان، بل ويرقى إلى حد كونه جريمة ضد الإنسانية. لكن السؤال هو :أين المجتمع الدولي الذي يفترض به أن يوقف اسرائيل عند حدها، ويضع حدا للقيود المفروضة على البناء الفلسطيني في القدس الشرقية، وفي الضفة عامة؟.

وإذا لم تقم اسرائيل بمسؤولياتها كدولة محتلة، فلا أقل من أن تترك للفلسطينيين الحرية في بناءمساكن يأوون إليها. أم إن استراتيجيتها هي تهجير الفلسطينيين، من خلال تحويلهم إلى مشردين على أرض وطنهم بلا سقف يحميهم برد الشتاء وحر الصيف؟.

مرة ثانية نتساءل :لماذا لا تتحرك الأسرة الدولية- إن كان هناك فعلا ما يمكن وصفه بالأسرة الدولية؟.