إن طريقة التعامل التي تتبعها الولايات المتحدة مع الكيان الإسرائيلي، وكيفية تعاطيها مع عملية السلام، أمران يتناقضان تمامًا، من حيث طريقة الدلال غير العادية والطأطأة لما يقوله قادة تل أبيب ويطلبونه، والتنكر الكامل لعملية السلام.

فكل أركان الإدارات الأميركية وأعضاء الكونجرس يعلنون حالة الطوارئ وتتوقف مشاغلهم ومصالح بلادهم حين يتعلق الأمر بالمدلل؛ الكيان الإسرائيلي، فلا يحتاج تلك الخطوات الإجرائية المعقدة والاستفاضة في المناقشات في الكونجرس والوقوف على كافة التفاصيل، سواء كان هذا الأمر يتعلق بمساعدات مالية أو عقود تسليحية وملء الترسانة الإسرائيلية المكتظة أساسًا، بأحدث ما وصلت إليه العقلية الأميركية في تصنيع السلاح وتقنياتها التي لا يزود بها حصرًا إلا الكيان الإسرائيلي المحتل، وأحيانًا حتى قبل أن يزود بها الجيش الأميركي.

وينطلق الأميركيون في ملء خزائن المال والترسانة العسكرية الإسرائيلية ليس من منطلق أن حماية أمن الكيان المحتل واجب أميركي، وإنما للأسف من منطلق تبنيهم للمزاعم الإسرائيلية القائمة على الهواجس الزائفة والمخاوف الخادعة، بأن هذا الكيان الغاصب يقبع بين دول تناصبه العداء وتتهيأ في أي لحظة للانقضاض عليه، وهذه الأفكار المغلوطة استطاع الإسرائيليون غرسها في مخيلة العديد من قوى المجتمع الدولي وطبعًا في مقدمتها أميركا ودول أوروبية، مُسوِّغين هذه المزاعم بمبررات كاذبة من قبيل أن كيانهم المحتل هو الكيان الديمقراطي الوحيد الذي يتوسط منطقة هي غابة من الأنظمة الدكتاتورية، ومن المؤسف أن هذه الترهات انطلت وترسخت في أذهان المدافعين عن هذا الكيان المحتل، وكثيرًا ما سمعنا تصريحات على ألسنة قادة تلك الدول بأن الكيان الإسرائيلي مهدد أمنه لأنه الديمقراطي الأوحد، وأنه من حقه الدفاع عن نفسه وذلك حين يقوم بعمليات إرهابية ضد الشعب الفلسطيني أو خارج فلسطين المحتلة.

ولطالما تبنى الغربيون بوجه عام والأميركيون بوجه خاص المزاعم الإسرائيلية، ولذلك لا غرو من أن يغدقوا الهبات والمنح والمساعدات المالية ويملأوا ترسانته بأعتى أنواع الأسلحة ليهدد بها أمن المنطقة واستقرارها، على حساب عملية السلام التي حين يأتي الأمر عليها تغيب حالة الطوارئ لتبدأ حالة من التلاعب بالكلمات المعسولة وبيع الوعود الجوفاء، ولا يتم التدخل إلا وفق ما يجنب الكيان الإسرائيلي المحتل الحرج، فترمى أطواق النجاة عندما يجدون حليفهم المحتل قد انحشر في زاوية ضيقة بسبب حماقاته وعملياته الإرهابية وتصرفاته المسببة للقلاقل والاضطرابات والمعادية للسلام.

وأمس بكل مشاعر الفخر والارتياح منحت الولايات المتحدة الأميركية مساعدة إضافية بقيمة 235 مليون دولار لحكومة الاحتلال الإسرائيلي لتمويل أنظمة اعتراض الصواريخ. وتضاف هذه المساعدة إلى نحو ثلاثة مليارات دولار هي قيمة المساعدة السنوية التي تمنحها أميركا للكيان الإسرائيلي.

 إن مثل هذه المساعدات في تقديرنا التي يذهب جزء كبير منها للجانب العسكري وإنما شقها الآخر يوظف لسرقة الأرض الفلسطينية وتسريع عجلة الاستيطان الذي وصفته واشنطن بأنه معيق للسلام ولحل الدولتين، لأن الإسرائيليين ومعهم الأميركيون وصلوا إلى قناعة بأن لا يجرؤ أحد أو لديه الاستعداد لمهاجمة هذا الكيان المحتل، وإنما تُسوَّق هواجس الأمن لابتزاز الدول الحليفة وفي مقدمتها الولايات المتحدة وصرف أموال طائلة هي تمثل عرق دافع الضرائب الأميركي لتستخدم في قضايا ومسائل ضد حقوق الإنسان، وتوظف في تهديد الأمن والاستقرار الدوليين.

الولايات المتحدة حين نصبت نفسها راعية لعملية السلام للأسف الشديد لم تكن إلا راعيًا أميركيًّا بالمفهوم المتعارف عليه والمتكون لدى الناس؛ أي راعي بقر وليس راعيًا للقضايا العادلة للبشر.