تمثل قضية نائب الرئيس العراقي طارق الهاشمي فصلاً جديداً من فصول الأزمة السياسية التي انزلق إليها العراق بالتزامن مع اكتمال الانسحاب الأمريكي من البلاد، بعد نحو تسع سنوات من اجتياح البلاد لإسقاط نظام صدام حسين.

ائتلاف "العراقية" الذي يقوده رئيس الوزراء الأسبق إياد علاوي "شريك رئيس الوزراء نوري المالكي في الحكم" قرّر على خلفية قضية الهاشمي "المتهم بالإرهاب" مقاطعة جلسات البرلمان وجلسات الحكومة الأمر الذي يُعمّق الأزمة السياسية في البلاد ويدفع بها نحو المجهول خاصة بعد التصريحات الإعلامية المتبادلة بين طرفي الأزمة حول الأسباب الحقيقية التي دفعت بالمالكي إلى الدفع بقضية نائب الرئيس إلى الواجهة في هذه المرحلة حيث يرى في ذلك أقطاب قائمة العراقية استهدافاً للطائفة السنية التي يمثلها الهاشمي وعدد من أعضاء قائمة العراقية.

 فالاتهامات والاتهامات المتبادلة بين أطراف العملية السياسية بقدر ما تُهدّد أمن العراق واستقراره بقدر ما تفتح الباب واسعاً أمام اختراق أمنه والتدخّل في شؤونه الداخلية من قبل أطراف لا تريد للعراق أن يتعافى وأن يعود قوياً ومؤثراً في محيطه وإقليمه.

حيث انعكست الأزمة السياسية في العراق سلباً على الواقع الأمني في البلاد التي شهدت قبل أيام أعنف تفجيرات أوقعت عشرات القتلى والجرحى في سلسلة هجمات هزّت العاصمة بغداد وأعادت مجدّداً إلى الواجهة مخاطر اندلاع حرب طائفية يدفع ثمنها الشعب العراقي بأكمله.

اللافت للانتباه أيضاً أن تطورات قضية الهاشمي المتسارعة جاءت وسط انقسام سياسي كبير حيال مطالبة عدد من المحافظات العراقية بالتحول إلى أقاليم مستقلة، وهي في غالبيتها محافظات تسكنها غالبية سنية. وهو ما يُؤشّر إلى المدى الذي يُمكن أن تنزلق إليه البلاد بالفعل إن لم يتم تدارك الأزمة السياسية وتخلي الأطراف العراقية جميعها عن التمترس وراء مواقف مسبقة تجاه الآخر.

في هذا الصدد تبدو مبادرة الزعيم الشيعي مقتدى الصدر " المتمثلة بميثاق الشرف الوطني العراقي " التي قام رجال دين وسياسيون وأكاديميون ورؤساء جامعات وشيوخ عشائر بالتوقيع عليها محاولة حقيقية جادة ومهمة لتدارك آثار الأزمة السياسية الجديدة وتأثيرها على الشارع العراقي فميثاق الشرف" الذي يدعو إلى محاربة التطرّف ويحض على الوحدة الوطنية، ويعتبر كل الطوائف الدينية والاثنيات العراقية إخوة ويُؤكّد ضرورة أن يكون العمل السياسي باعثاً على الوحدة الوطنية، وعلى مقاطعة المتطرفين. هو ما يحتاجه العراق ويحتاجه الشعب العراقي في هذه المرحلة المصيرية في تاريخه.