لاشك أن كل فلسطيني غيور وحريص على قضيته ـ ومن ورائه كل عربي وفي لأمته ـ أثلج صدره انعقاد اجتماع الإطار القيادي لمنظمة التحرير الفلسطينية والاتفاق على تفعيل وبناء المنظمة، وتشكيل لجنة لذلك برئاسة رئيس المجلس الوطني الفلسطيني سليم الزعنون وعضوية ممثلين عن الفصائل الفلسطينية المشاركة في الاجتماع، مؤملا النفس أن يكون مؤشرًا حقيقيًّا على عزم القيادات الفلسطينية ترتيب البيت الفلسطيني بدءًا من ترتيب أولويات منظمة التحرير ونفض غبار العجز عنها، وتعبيرعن قناعة حقيقية تولدت لدى القيادة الفلسطينية بأن الكيان الإسرائيلي لن يعطي الشعب الفلسطيني ولو جزءًا يسيرًا من حقه.
اذ أن ترتيب البيت الفلسطيني بات اليوم ضرورة ملحة تفرضها الظروف والوقائع الراهنة لا سيما انكشاف حقيقة الكيان الإسرائيلي حول مجمل القايا المختلف عليها كالقدس واللاجئين وحدود عام 1967م والاعتراف بدولة فلسطينية ذات سيادة، حيث أفصحت الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة وخاصة الحكومة اليمينية المتطرفة الحالية برئاسة بنيامين نتنياهو بصورة فجة عن توجهاتها ونواياها تجاه الصراع العربي ـ الإسرائيلي بوجه عام، برز ذلك عبر تهويد مدينة القدس المحتلة بقسميها الشرقي والغربي بزعم أنها العاصمة الأبدية الموحدة لما يسمى بدولة "إسرائيل" الخاصة بالشعب اليهودي، وتهجير أهلها ومحاصرة من بقي منهم لإجبارهم على الرحيل منها، وتسريع وتيرة الاستيطان لِيَلْتَهِمَ أجزاء كبيرة من الضفة الغربية، وعدم الاعتراف بحدود عام 67، لتتضح حقيقة المؤامرة الإسرائيلية ضد الشعب الفلسطيني ودولته الموعودة بالحملة المسعورة التي شنها الإسرائيليون بالتعاون مع حلفائهم الغربيين الذين في مقدمتهم الولايات المتحدة التي جاهرت بكل وقاحة بكرهها للشعب الفلسطيني ولكل ما هو فلسطيني بتبني الشروط الإسرائيلية الظالمة والمعادية ليس للشعب الفلسطيني فحسب، وإنما لعملية السلام التي نصَّبت القوى العظمى راعيًا أول لها، حيث راح الرئيس الأميركي باراك أوباما وأركان إدارته يشهرون الشروط الإسرائيلية في وجه السلطة الفلسطينية لإحباط الطلب الفلسطيني في الأمم المتحدة لنيل الاعتراف بالدولة الفلسطينية وقبولها عضوًا كاملًا في المنظمة الدولية، إذ لم تتورع واشنطن عن التلويح باستخدام الفيتو ضد الطلب في مجلس الأمن الدولي، والتركيز على شرط التفاوض الذي ـ كما يزعم الأميركيون والإسرائيليون ـ يعد السبيل الوحيد لحل القضية، والذي (أي التفاوض) ثبت أنه ما هو سوى لعبة أو بالأحرى خدعة لسرقة الحق الفلسطيني، لأنه منذ انطلاق المفاوضات وإلى اليوم لم تسفر عن شيء، فهل يعقل أن تظل المفاوضات طوال هذه السنوات الطويلة دون أن تخرج بنتائج، إلا إذا كانت عبثية بالأساس؟
إن تفكيك المنطقة الجاري الآن على قدم وساق، وتجزئتها على أسس طائفية وموارد، لن يستثني الفلسطينيين ولن يكونوا بمعزل عن ذلك طالما كانوا هم الخط الأول في محاربة مخططات التقسيم والتهجير والطرد والاستيلاء على دولتهم بصورة كاملة، لذلك فإن ترتيب البيت الفلسطيني وترميم تصدعاته هو الوسيلة الوحيدة التي تحصن القناعات وتحميها وتقوي التمسك بها، ويعد تفعيل منظمة التحرير ومؤسساتها، وإعادة تشكيل المجلس الوطني الفلسطيني وجعل القرار بيد أعضائه المنتخبين كونهم ممثلي الشعب الفلسطيني، وصدور مرسوم رئاسي بتشكيل لجنة الانتخابات المركزية وفق ما تم الاتفاق عليه في الحوار الشامل مع الفصائل يوم 20 ديسمبر 2011 بالقاهرة، وإشراك حركة حماس ممثلة برئيس مكتبها السياسي خالد مشعل، وحركة الجهاد الإسلامي ممثلة بأمينها العام رمضان شلح، في الاجتماع الإطاري لمنظمة التحرير لأول مرة، كل ذلك يمثل بارقة أمل في صيانة البيت الفلسطيني، وكل ذلك كفيل بتقوية أركانه والموقف الفلسطيني من كل القضايا، فمستقبل القضية الفلسطينية لايحدده سوى أصحابها الموحدين في الصف والهدف، ولذلك لا نستغرب أن يصدر ديوان رئيس وزراء الكيان الإسرائيلي بيانًا يزعم فيه "أنه كلما اقترب عباس من حماس، ابتعد عن خيار السلام"، وذلك على خلفية احتمال انضمام حماس إلى منظمة التحرير الفلسطينية، لأن المحتل الإسرائيلي كل ما يريده هو الانقسام ليستفرد بأكل ما بقي من حق فلسطيني.