إذا كان القاسم المشترك بين أصحاب الجلالة والسمو قادة دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية هو ملامسة الواقع المعيشي والاقتراب بصورة كبيرة من مطالب وهواجس الشعوب الخليجية، فإن القمم الخليجية تعد إحدى وسائل التحقيق في هذا الشأن، ولذلك تضمن البيان الختامي للقمة الثانية والثلاثين التي اختتمت أمس أعمالها في الرياض عددًا من القرارات على الصعيد الاقتصادي التي من المؤكد أنها قد أثارت ارتياحًا لدى المواطن الخليجي، ومن شأنها أيضًا في حال تطبيقها بصورة عملية أن تثير ارتياحًا أكبر وقفزة كبيرة إلى الأمام في مسيرة المجلس، فقد أكد المجلس الأعلى لدول مجلس التعاون حرصه على تعزيز القدرات الإنتاجية للاقتصادات الخليجية.
وذلك نظرًا لما يتوقف عليها من أدوار كبيرة يأتي في مقدمتها الحفاظ على النمو المطرد الذي تشهده هذه الاقتصادات وبما يجنبها مخاطر الأزمات والتقلبات، خصوصًا وأن العالم يواجه أزمة مالية خانقة لاتزال تدفع فاتورتها اقتصادات بعينها، حيث باتت هذه الأزمة تهدد انهيار كيانات واتحادات اقتصادية عرفت على الدوام بأنها من أقوى الكيانات، ولكن ولأن العوامل والظروف المهددة أو المسببة للأزمات الاقتصادية قد تكون خارجة عن الإرادة في أحايين كثيرة وغير متوقعة، كان لابد أن تتخذ الأسباب الكفيلة بدرء المخاطر المهددة للاقتصاد.
وذلك لكون أن قوة الاقتصاد واستقراره ونموه أسباب لها انعكاساتها الإيجابية على الاستقرار السياسي والأمني، لأنها تؤمن الاستقرار المعيشي والاجتماعي عبر فرص العمل والدخول الجيدة التي يوفرها الاقتصاد المستقر والنامي .
كما أن القمة سجلت خطوات جيدة على طريق التكامل والاستقرار المعيشي والاجتماعي بإقرارها اعتماد الهوية الشخصية كإثبات هوية لمواطني دول المجلس في القطاعين العام والخاص في جميع الدول الأعضاء على أن تقوم الجهات المعنية في الدول الأعضاء بإصدار التشريعات والقرارات الخاصة في هذا الشأن، واعتماد القواعد الموحدة لإدراج الأوراق المالية (الأسهم، السندات والصكوك، ووحدات صناديق الاستثمار) في الأسواق المالية بدول المجلس.
ومن بين الخطوات العملية نحو تحقيق التكامل بين دول المجلس موافقة المجلس الأعلى على الاستفادة من المتقاعدين العسكريين والمدنيين الخاضعين لقانون نظام التقاعد العسكري، للعمل في مختلف الجهات الحكومية وشبه الحكومية، ومؤسسات القطاع الخاص بدول المجلس، مما سينعكس بدوره على الحالة المعيشية والوضع الاقتصادي لأسر هؤلاء المتقاعدين ويفتح لهم أبواب رزق تساند رواتبهم التقاعدية في ظل موجة الغلاء التي يعاني منها العالم.
إن الاهتمام بالشباب والاستفادة من طاقاتهم وقدراتهم قضية ذات أولوية قصوى، باعتبار الشباب هم عصب الحياة وهم الذين يقودون قاطرة التقدم والتنمية، فالاهتمام بهم بالتعليم والتدريب والتأهيل في مناحي الحياة يشعرهم بذاتهم وبمسؤولياتهم، ما يقوي لديهم روح المواطنة والانتماء، وتتعزز هذه الروح حين يتم تنظيم لقاءات أو تبادل زيارات أو تبادل مراكز عمل لهؤلاء الشباب مع وضوح في الرؤية واتفاق على الهدف والغاية، ولذلك فان تكليف الهيئة الاستشارية بدراسة استراتيجية للشباب وتعزيز روح المواطنة واستراتيجية للتوظيف لدول المجلس في القطاعين الحكومي والأهلي، مسألة في غاية الأهمية على هذا الصعيد تحتم الإسراع في إعدادها وبلورتها.