بالرغم مما شهدته منطقة الخليج من تطورات، وصراعات وحروب ومصادمات، منذ أواخر سبعينيات القرن الماضي، وحتى الآن، إلا أنه يمكن القول إن دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية استطاعت، كدول وشعوب أن تشق طريقها بثبات وقوة وثقة وتماسك، نحو أهدافها المشتركة، وفي مقدمتها العمل بجد وإخلاص من أجل استتباب الأمن والاستقرار لكل دول وشعوب هذه المنطقة الحيوية، على أساس من الاحترام المتبادل وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، والتعاون بحسن نية من أجل تحقيق المصالح المشتركة والمتبادلة مع الدول والقوى الأخرى في المنطقة وعلى امتداد العالم.
ومع أن دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية لم تفكر، ولم تعمل، في أي وقت من الأوقات من أجل إثارة أية خلافات، من أي نوع أو على أي مستوى، مع أي طرف آخر، ولكنها فقط سعت وتسعى، كأي دول أخرى إلى حماية مصالحها وصيانة استقلالها وأراضيها وسد الطريق أمام محاولات التدخل في شؤونها الداخلية، إلا أنه لم يكن غريبًا أن تتأثر بما يجري في هذه المنطقة البالغة الأهمية، ومن حولها، من صراعات ومنافسات ومناورات من جانب العديد من الأطراف لتحقيق مصالحها المباشرة وغير المباشرة.
وبغض النظر عن الظروف التي صاحبت قيام مجلس التعاون لدول الخليج العربية في عام 1981، والمواقف المختلفة التي اتخذها هذا الطرف أو ذاك، فإن دول المجلس استطاعت بالفعل على امتداد السنوات الثلاثين الماضية أن تشيد صرحًا طيبًا ينمو ويكبر، وتتعزز قدراته في جميع المجالات، وعلى كل المستويات، من أجل أن يكون إضافة ملموسة لخدمة مصالح شعوب المجلس ودوله من ناحية، والقيام بدور إيجابي ملموس في الحفاظ على الاستقرار في هذه المنطقة الحيوية والابتعاد بها عن دائرة الاستقطاب بكل أنواعه من ناحية ثانية، لأن قيادات المجلس تدرك جيدًا أن السلام والاستقرار والثقة المتبادلة وحسن الجوار هي أسس لا غنى عنها لتحقيق المصالح المشتركة والمتبادلة، اليوم وغدًا أيضًا.
جدير بالذكر أن دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية توفر لها في الواقع عنصران من أهم العناصر المؤثرة في هذا المجال. أولهما حكمة أصحاب الجلالة والسمو قادة دول المجلس، وهي حكمة تجلت وتتجلى في العديد من المواقف وبعد نظر التعامل معها.
ومن هنا فإن القمة الثانية والثلاثين لقادة دول المجلس في الرياض تمثل بالفعل إضافة طيبة لمسيرة التكامل الخليجي، ولاستراتيجية المجلس في تعميق التعاون مع الدول الشقيقة والصديقة.
كما أن اللقاءات والمشاورات بين جلالة السلطان المعظم وإخوانه قادة دول المجلس تفسح المجال أمام مزيد من خطوات التكامل بين دول المجلس في مختلف المجالات. أما العنصر الثاني فإنه يتمثل في ثقة أبناء دول المجلس، وتأييدهم القوي لمسيرة التكامل بين دوله في كل المجالات، وهو تأييد وثقة تدفع دومًا نحو مزيد من خطوات تعميق وتوسيع نطاق مسيرة التكامل لخدمة مصالح كل دول وشعوب المجلس في النهاية.
ومن المؤكد أن الجهود التي بذلها خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز عاهل المملكة العربية السعودية الشقيقة من أجل إنجاح القمة والسير بالتكامل الخليجي خطوات أخرى – وهو ما يتضح من الموضوعات التي تمت مناقشتها في القمة – تجعل من قمة الرياض التي تختتم اليوم واحدة من أبرز قمم مجلس التعاون على صعيد تعزيز مسيرة التكامل بين دول المجلس ودفعها خطوات إلى الأمام.