إن ما يجري في الشقيقة الكبرى مصر ليبعث على الحيرة، حيث التحولات غير المتوقعة والتي بدأت تطغى على المشهد المصري بعد النجاح في جولتين من انتخابات مجلس الشعب. ففي الوقت الذي يفترض أن تؤدي تلك الجولتان إلى تهدئة الأوضاع والخواطر وبعث حالة من الاطمئنان بأن مصر مقبلة على عهد جديد وفتح مبين بعد سنوات أنافت على ثلاثين سنة من الاستبداد والدكتاتورية، دخلت أم الدنيا في دوامة من عدم الاستقرار، حيث باتت صورة المواجهات التي ازدادت حدة وسخونة بين المجلس العسكري والمتظاهرين المعارضين له منذ التاسع عشر من نوفمبر الماضي الذي شهد أعنف اشتباكات استمرت أسبوعًا وأسفرت عن سقوط 45 قتيلًا.
هي الصورة السائدة والمتصدرة على مسرح الأحداث، وحينها استجاب المجلس العسكري لمطالب المحتجين بإقالة حكومة عصام شرف التي وصفوها بأنها كانت عبارة عن واجهة للمجلس العسكري الذي يمسك بكل الصلاحيات، وأنها كانت عاجزة عن تهيئة الأوضاع لبدء مرحلة جديدة تنتقل فيها مصر إلى الحياة المدنية وتسمح بعودة العسكر إلى ثكناتهم، إذ كانت لا تتخذ قرارًا في كل صغيرة أو كبيرة إلا قبل الرجوع والاستئذان من المجلس العسكري، وتحت ضغط المحتجين قَبِلَ المجلس العسكري استقالة عصام شرف ليكلف كمال الجنزوري بتشكيل الحكومة الجديدة، لتدخل مصر في منعرج من التجاذبات السياسية والتشكيك في النوايا وتبادل الاتهامات بدءًا من إتيان المجلس برجل محسوب على النظام السابق، وانتهاء بأن المجلس العسكري لا يريد أن يسلم السلطة إلى حكومة مدنية، لتكتمل صورة المشهد يوم الجمعة الماضي الذي شهد جولة أخرى من المنازلة بين المحتجين والمجلس العسكري وقوات من الجيش والشرطة في وسط القاهرة بالقرب من ميدان التحرير، حيث حصدت حتى يوم أمس الأحد وهو اليوم الثالث على التوالي 10 قتلى و500 مصاب، حسب وزارة الصحة المصرية.
إن تكرار هذه المواجهات بين الفينة والأخرى، لا يعني عدم انتظام الحياة واستقامة الأوضاع فحسب، إنما يعني دخول مصر في شلل تام، وتوقف الحياة فيها بصورة تامة، وتوقف عمليات الإنتاج، وتعطل مصالح المواطنين المصريين لا سيما أولئك الذين يعتمدون في حياتهم المعيشية على ما يحصلون عليه في صباح يومهم الباكر فقط، وفي ظل وضع اقتصادي مصاب بالشلل يعني تفاقم الأوضاع المعيشية لهؤلاء البسطاء.
ثم إن استمرار المواجهات والاحتجاجات والمظاهرات مؤداه إنهاك الدولة المصرية بصورة تامة وفي مقدمتها المؤسسة العسكرية، وحسب المعطيات الرسمية فإن الوضع الاقتصادي لمصر معرض لنكسات خطيرة تنذر بانهيار الدولة، وليس هناك مواطن غيور مصريًّا كان أو عربيًّا يرضى بأن تصل مصر إلى هذه النهاية المؤلمة.
في الحقيقة، وفي ظل الصورة الضبابية وغموض الأحداث، لا نعلم من يحرك هذه المواجهات، ومن له مصلحة في إدخال مصر في معركة الشد والجذب. لكن ما يجب أن ننبه إليه المصريين الغيورين، سواء في المجلس العسكري أو أولئك الممثلون في الأحزاب، أن بقاء مصر على هذه الصورة المضطربة تتقاذفها الأمواج والأهواء، لن يصب إلا في مصلحة أعدائها وأصحاب المشاريع والأجندات في المنطقة، خاصة وأن مصر بما تمثله من ثقل ديموغرافي وقوة عسكرية عربية تعد هي الأولى، وطاقات بشرية هائلة في مختلف المجالات العلمية والثقافية والاقتصادية، تبقى دولة مستهدفة، فهي رمانة الميزان وهي التي تلعب دائمًا الدور الوازن والمؤثر، وبالتالي القضاء على كل عوامل القوة هذه، هو قضاء على الأمة بأكملها.
لذا نتمنى أن تتوفر الأسباب الحقيقية لدى المصريين الشرفاء لضمان مصر موحدة قوية مؤثرة كما كانت، وإذا كانت ثمة جولات كسر عظم بين أحزاب مصرية والمؤسسة العسكرية، فإن معنى ذلك استمرار دوامة المواجهات والخاسر فيها دائمًا مصر الشقيقة الكبرى ومن بعدها أمتها العربية التي تشكل مصر عمودها الفقري.