كلما اقترب موعد استحقاق سبتمبر حيث يتوجه الفلسطينيون الى الأمم المتحدة بطلب إعلان الدولة وعضوية كاملة لها في المنظمة الدولية، زادت حالة التوتر الإسرائيلية بسبب الشعور بالعجز عن إقناع الرأي العام العالمي بخطأ التوجه الفلسطيني.

والأهم من ذلك بسبب حالة التعرية التي تسببها إسرائيل لحليفتها واشنطن. حيث لم يعد بيد إسرائيل الآن، وقد سقطت كل الحجب وبدا الاصرار الفلسطيني على المضي قدما حتى بلوغ الهدف، إلا طمأنة الإسرائيليين بأن وراءهم الدعم الأميركي، وأن هذا الدعم وحده كفيل بإحباط المسعى الفلسطيني عبر استخدام حق النقض (الفيتو) في مجلس الأمن على الطلب الفلسطيني.

وللمرء أن يتساءل عن السبب الذي دفع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي الى الضغط بقوة وبإصرار طيلة الفترة الماضية لثني الفلسطينيين عن عزمهم إذا كانوا جميعا مطمئنين إلى قدرة الفيتو الأميركي على حسم المسألة بإشارة إصبع من واشنطن؟

بالطبع السبب واضح وهو شعور هذا الثالوث: إسرائيل والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي معا أنهم يسيرون عكس التيار الدولي الجارف المساند للحق الفلسطيني والمتزايد باستمرار.

ومن ثم كان الضغط يهدف إلى تجنب الحرج الذي يستشعرونه باستخدام الفيتو المنفرد، فمن أوضح معالم الاعوجاج في أداء المنظمة الدولية أن تستطيع دولة واحدة إحباط رأي الأغلبية فيما يتناقض تماما مع أسس الحرية والديمقراطية وحقوق الأنسان، تلك الأسس الذي يزعم الثالوث المشار إليه أنها ضمن أسس عمله السياسي على المسرح الدولي.


وغالبا ما يترك هذا الخروج الأميركي على رأي غالبية المنظومة الدولية بصمات كئيبة على مسيرة الدبلوماسية الأميركية بشكل عام، حيث تتولد في نفوس دول العالم، حتى غير المعنية بالقضية الفلسطينية، أن ارتهان القرار السياسي الأميركي بالمطلب الإسرائيلي دائما هو أمر مثير للقلق العميق من عواقب التعامل غير الحذر مع واشنطن التي يدير دفة السياسة الخارجية فيها حلفاء لإسرائيل يعلون مطالبها على ضرورات الحفاظ على المصالح الأميركية ذاتها في علاقاتها مع دول العالم وبخاصة دول الشرق الأوسط.


ومن الآن بدأ رئيس الوزراء الإسرائيلي في إبداء الزهو بحضور الفيتو الأميركي ضد المطلب الفلسطيني الذي يعتبره نتنياهو مطلبا (جنونيا) ويتوقع ان يعود الفلسطينيون رغم أنفهم الى التفاوض الثنائي معه بعد انفضاض (مولد) الأمم المتحدة برفع الفيتو الأميركي. لكن الحقيقة التي تؤكد نفسها دائما هي ان المشروع الفلسطيني يستمد شرعيته من التفاف شعوب العالم حوله، وهو بذلك فائز لا محالة، وإن طال الزمن، خاصة وأن التحرك الشعبي في الشرق الأوسط بكامله يسير في اتجاه واحد نحو دعم القضية الفلسطينية.

وتشير المسيرات المتواصلة في الأراضي المحتلة الى حجم الزخم الشعبي المساند لقرار الوفد الفلسطيني بالتوجه للأمم المتحدة، فضلا عن مساندة 150 دولة تقريبا لحصول الدولة الفلسطينية على مقعد دائم لتصبح العضو 194 بالأمم المتحدة، أي ان ثلاثة أرباع دول العالم تقف اليوم خلف قرار الشعب الفلسطيني بانتزاع حقه المشروع رغم كل الضغوط التي تحصر القضية الفلسطينية بين فيتو منفرد غير مرغوب فيه، ومحادثات ثنائية فيها طرف إسرائيلي لا تتوفر لديه أية رؤية سياسية للحل تتجاوز حالة الغطرسة والاغترار بالتحالف غير المقدس مع الولايات المتحدة، لكن صيرورة الأحداث تؤكد ان شرعية الأغلبية ستكون الغالبة حتما.