كل مسيرة تنموية مهما تكون محاطة بسياجات الأمان من الإنحناء أو التوقف، غالبا ما تعتريها بعض التجاوزات والمخالفات الفردية التي تسبب هدرا في الامكانيات والوقت والمال، وقد تخل بالبرنامج الزمني للتنفيذ أو تتمخض عن هذا الهدر نتائج سلبية في المنتج النهائي للخطط بعد تنفيذها.

وسواء كانت هذه السلبيات عن عمد أو غير عمد فإنها في النهاية تشكل عوارا لابد من إصلاحه مما يكسب المسيرة التنموية شفافية أكبر وروسخا أعمق، فكل إنجاز من منجزات نهضتنا المباركة يشكل في حد ذاته بنية تحتية لمنجز جديد وقاعدة صلبة لعمود من أعمدة صرح التنمية المستدامة. ولا شك ان جهاز الرقابة المالية والإدارية يقوم بدور للإقلال ما أمكن من المعوقات وتوفير الضمانات الأقوى لدفع وإصلاح مسيرة المنجزات الوطنية.

وقد جاء تصريح نائب رئيس جهاز الرقابة المالية والإدارية حول وجود مخالفات وتجاوزات تم الكشف عنها خلال النصف الأول من هذا العام بمثابة خطوة جادة على طريق تأصيل الشفافية وضبط الجهاز المالي والإداري للدولة بتصويب الأخطاء وتسوية الفروق وأحيانا الإحالة إلى المحاكم المختصة، بغية تطبيق مبدأ المساءلة بحزم وعزيمة. كذلك فإن لدى الجهاز دائرة للتواصل المجتمعي تتلقى بلاغات المواطنين وتحقق في الشكاوى أو تحيلها إلى الإدارات المعنية.

بالطبع لا أحد منزه عن الخطأ لكن سيادة مبدأ "أحب شيء يهدي إليّ عيوبي" هو معيار الفصل بين العمد والعفوية في ارتكاب الخطأ أو المخالفة، وتلك مهمة جهات الضبط والتحقيق بلاشك، إلا إن الحس العام الرقابي يبدو واضحا في مجتمعنا تجاه حماية أموال وأملاك الدولة، أو حتى حماية الطريق والمارة من تجاوزات المخالفات المرورية بالإبلاغ الطوعي عن تلك المخالفات، وهذا يساعد كثيرا في عمل الجهات المختصة، ويوفر مناخا عاما من الضبط والربط، ما يعود بالنفع على كافة شرائح المجتمع.

وثمة بعض العيوب والمثالب التي تبدو بسيطة ولا تسترعي اهتمام البعض، لكنها لدى البعض الآخر الأكثر اهتماما بمصالح الوطن العليا تشكل أخطاء جسيمة، أو بؤرة لتنامي قصور بسيط قد يتحول إلى مشكلة كبيرة تتكلف الكثير من الوقت والجهد والنفقات لاصلاحها وتجاوز عواقبها.

قد تصيبنا الدهشة من حجم الشكاوى (90 شكوى) التى وصلت جهاز الرقابة المالية والإدارية للدولة خلال أقل من شهرين تضمنت سوء استغلال السلطة والتجاوزات المالية والإدارية وتعطيل مصالح المواطنين، وعدم سلامة اجراءات إسناد المناقصات، وغير ذلك من فحوى الشكاوى والاستفسارات التي تتلقاها دائرة التواصل المجتمعي بالجهاز، إلا ان يقظة الجهاز وتسارع المواطنين إلى الابلاغ عن أوجه القصور تبعث في النفس طمأنينة تتجاوز تلك الدهشة.

ونظرا للأضرار الفادحة التي يسببها غياب الشفافية تشكلت منظمات دولية تتعاون مع الجهات المحلية في دول العالم لمحاربة الفساد المالي والإداري حفاظا على الممتلكات والأموال العامة، وقد حظيت السلطنة بدرجة متميزة في مؤشر الشفافية الذي يرصده تقرير منظمة الشفافية الدولية، تلك المنظمة التي تربط بين مدى الاستقرار الداخلي في الدول وبين زيادة أو نقص فعالية الأجهزة الرقابية، ومن ثم فإن الاستقرار الذي تتمتع به السلطنة يوفر بدوره مزيدا من الظروف المهنية لنجاح مهام عمل الجهاز الرقابي الوطني، وهو جهاز يبذل الكثير من الجهد في وضع خطط مدروسة ووفق معايير دولية لنحقق مفهوم الشفافية الكامل الذي نطمح إليه.