كلما اشتد الخناق على الجانب الإسرائيلي ظهر ذلك جليًّا على ردات فعلهم وفي تصريحاتهم، ما يدلل على شعورهم بأنهم قد حشروا في زاوية ضيقة، ولذلك لا غرابة أن يلوحوا بنبرات التهديد والوعيد، خاصة إذا كان هناك أمر ما يتعارض مع مشاريعهم الاستعمارية الاحتلالية.

واليوم ليس هناك ما يخنق الإسرائيليين من قرار الفلسطينيين التوجه إلى الأمم المتحدة لطلب الاعتراف بالدولة الفلسطينية في العشرين من سبتمبر الحالي، ذلك أنهم يرون فيها أنها خطوة مضادة لمشاريعهم الكبرى المدفوعين إليها بمزاعمهم التلمودية والمتمثلة في ما يسمى (إسرائيل الكبرى) تكون دولة يهودية خالصة لليهود، وهذا الحلم التلمودي المزعوم يعني فيما يعني، رفض دولة فلسطينية أولًا وقبل كل شيء.

وهذا الرفض هو أساس رفض عودة اللاجئين الفلسطينيين وتهويد مدينة القدس المحتلة وتغيير معالمها العربية والإسلامية واعتبارها العاصمة الموحدة الأبدية لـ(دولة إسرائيل اليهودية)، وهو أساس رفض الاعتراف بحدود عام 1967 وعودة المفاوضات على أساسها، وكذلك رفض وقف الاستيطان، خاصة وأن المعروض لإقامة الدولة الفلسطينية عليه هو أقل من عشرين في المئة، ومن المؤكد أن هذه النسبة في ظل تسارع وتيرة الاستيطان التي يرفض الإسرائيليون رفضًا قاطعًا وقفها، قد قضم الاستيطان منها كثيرًا.

وإزاء كل ذلك، لا نستغرب أن ينبري وزير خارجية حكومة الاحتلال الإسرائيلي أفيجدور ليبرمان للتلويح بـ"عواقب وخيمة" ضد الفلسطينيين ما إذا مرروا قرارهم بطلب العضوية في الأمم المتحدة، لأن الكيان الإسرائيلي من أقصى يمينه إلى أقصى يساره يدرك أن الاعتراف سيدمر مشاريعهم التلمودية العنصرية، وبالتالي تصبح أحلامهم هباء منثورًا.

غير أن المؤكد أن الشعب الفلسطيني لا يرهبه مثل هذا التهديد والوعيد لإثنائه عن خطوته، لأنه يؤمن تمام الإيمان بعدالة قضيته وأن كافة الشرائع والقوانين تدعوه إلى التحرر من الاحتلال ودفع الظلم عن نفسه، وبالتالي من حقه أن يختار الوسائل التي تعينه على ذلك، ثم ما الذي بقي من وسائل إرهاب وعدوان لم يقم بها بعد المحتل الإسرائيلي ضد الشعب الفلسطيني صاحب الحق؟

فمشاهد القتل والتهجير والتجويع والاعتقال القسري والإهانة تتكرر يوميًّا، ويرفض المحتل الإسرائيلي وقفها ولو للحظة واحدة، ثم إن المفاوضات التي يطالب بها الاحتلال وحلفاؤه لم تأتِ للشعب الفلسطيني بحق، ولم تمنع عنه رصاصة غادرة، ولم تبقِه آمنًا مطمئنًا في سربه، بل كل أيامه بساعاتها ودقائقها وثوانيها آلام يكابدها.

يحاول حلفاء الكيان الإسرائيلي إعادة قطار المفاوضات إلى سكته من جديد حينما لمسوا صلابة الموقف الفلسطيني والدعم العربي له، ويستميتون من أجل إثناء السلطة الفلسطينية عن قرار التوجه إلى الأمم المتحدة، إلا أن المفاوضات قد ثبتت عبثيتها وذلك بسبب الموقف الغربي المتخاذل والرافض لممارسة الضغوط على الحليف الإسرائيلي أثناء فترات انعقادها.
 
يبقى إزاء هذا الانكشاف للمواقف الإسرائيلية والغربية وتبيُّن حقيقتها، أن يتمسك الفلسطينيون والعرب بموقفهم من قرار طلب العضوية للدولة الفلسطينية وحشد التأييد الدولي، وذلك لما فيه من إيجابيات كثيرة حتى لو استخدمت الولايات المتحدة الفيتو، ليس أقلها من تحقيق انتصار معنوي للجانب الفلسطيني والعربي، وانعكاس ذلك على الوحدة الوطنية الفلسطينية، وكسب ثقة الشعوب العربية.