حقائق ومعطيات كثيرة أكد عليها الربيع العربي والثورات العربية، أهمها في تقديرنا هو فشل الحلول العسكرية والامنية، وخطورة تداعياتها ونتائجها وآثارها السلبية الكارثية، وحتمية التغيير، طال الزمن أم قصر.
فباستعراض سريع لما يحدث في بعض الأقطار الشقيقة نجد أن الانظمة وخاصة في سوريا واليمن وليبيا وغيرها لجأت إلى الحلول العسكرية رافضة الاستجابة لمطالب الشعوب، وحقها في الإصلاح والتحديث والتطوير وحقها في الديمقراطية والتعددية، وإقامة الدولة المدنية الحديثة، وصولا غلى الحكم الرشيد، وتداول السلطة سلميا.
فاحتكمت إلى القوة العسكرية في محاولة لإجهاض الثورة، وزرع الرعب في قلوب المواطنين، كما تعودت هذه الأنظمة، أن تفعل، وجاءت النتائج مفاجئة لهذه الأنظمة، كما فاجأت «الثورات» نظامي مبارك وبن علي.
ففي حين عجزت القوة العسكرية والأمنية حتى الآن عن القضاء على هذه الثورات، فالملاحظ أنها تزداد اشتعالا، وتتجذر في الأرض، رغم مرور أكثر من ستة أشهر على انطلاقتها في هذه الدول، وها هي تفرض نفسها بعد أن أصبحت ثورة شاملة تشمل أغلب البلاد والعباد.
لا نعرف الأسباب وراء رفض الأنظمة في هذه الدول مبدأ الحوار، ولا نعرف سبب رفضها وحق الشعوب في تنظيم المظاهرات سلميا، رغم اعتراف هذه الأنظمة من خلال وسائلها الإعلامية بهذا الحق المشروع ورغم معرفتها ومن خلال تجارب الدول الشقيقة والصديقة بأن لا بديل عن الحوار، ولا بديل عن الوفاق الوطني والإصلاح الحقيقي، للخروج من المأزق الذي وصلت إليه البلاد.
وفي هذا الصدد، وإذا كان الشيء بالشيء يذكر، فلا بد من التأشير على التجربة الأردنية، كنموذج حضاري متقدم، إذ استطاع هذا الحمى العربي وبقيادة جلالة الملك عبدالله الثاني المستنيرة، الواعية، والمؤمنة بالإصلاح والتحديث والديمقراطية والتعددية الحقيقية، كمفاتيح للمستقبل، استطاع تجنب الكثير من المزالق والفتن التي تمور في الدول الشقيقة والوصول بالوطن إلى بر الأمان من خلال احترام حق المواطنين في تنظيم المظاهرات السلمية، وحقهم في المطالبة بالإصلاح ومحاربة الفساد والمفسدين، وحقهم في المشاركة في الحياة السياسية..
وهكذا ومن خلال ايمان الجميع بالحوار الرشيد الذي قاده جلالة الملك، تلاقت وجهات نظر الفعاليات الشعبية مع التوجيهات الملكية من خلال الاتفاق على تعديل الدستور، وتشريع قانون انتخاب ديمقراطي عصري يشكل رافعة حقيقية للإصلاح السياسي.. وهذا ما يوشك أن يتحقق في وقت قريب تمهيدا لولوج مرحلة سياسية متميزة تشكل مقدمة ضرورية للإصلاح الشامل.
مجمل القول: لقد أثبتت الثورات العربية أن لا بديل عن الحوار، للخروج من المأزق الذي وصلت غليه الأقطار الشقيقة، وأن الاحتكام إلى القوة العسكرية والحلول الأمنية، مصيره الفشل الذريع، ويفتح الباب على مصراعيه للتدخل الأجنبي..
وهذا ما أكدته التجربة الأردنية المتميزة التي قادها جلالة الملك بكل وعي وجرأة وحزم واستطاع ومن خلال التقاطه نبض الشارع وقراءته الصحيحة للأحداث والتاريخ أن يسير بالأردن إلى بر الأمان، محاطا بثقة شعبية لا مثيل لها للعبور إلى المستقبل الواعد.
«فأما الزبد فيذهب جفاء، وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض». صدق الله العظيم.