بعد أن اقترب الثوار الليبيون من حسم معركتهم بدخول العاصمة طرابلس والسيطرة على أحيائها، وبالتالي اقترابهم من الاستيلاء على السلطة على أنقاض نظام العقيد معمر القذافي ـ رغم المقاومة التي يبديها حتى الآن في أنحاء متفرقة من بلادهم ـ فإنهم سيجدون أنفسهم يدخلون حربا جديدة ومن نوع آخر، فإذا كانت الأولى قامت على الأسلحة الرشاشة والمدفعية والقصف الجوي، وبالتالي فهي معركة هدم.

فالمعركة الجديدة لا تعترف بهذه الأسلحة، وإنما عمادها سلاح التخطيط الفعال الذي يقوم على العقل والحكمة وميزان الأمور بموازينها، واتباع سياسة تحافظ على ما كسبوه وأنجزوه في حربهم الأولى، والمعركة التي نقصدها هنا هي معركة إعادة البناء في مختلف الميادين والإعمار في كافة المجالات، فهي لا تقل شأنًا وجهدًا عن سابقتها.

لقد عانى الشعب الليبي طوال الأربعة عقود الماضية، وما قام به الآن هو تعبير عن حجم الضيم والظلم الذي أصابه من قبل النظام السابق واستبداده وتبديده ثروات ليبيا في ما لا طائلة من ورائه، سواء في المغامرات التي قام بها رأس النظام وأبناؤه أو بطانته المقربة منه، أو إشباع الأهواء والنزوات، في حين يقبع الشعب الليبي بين براثن الفقر وتقع ليبيا ذات الثروات الهائلة رهينة بيد التخلف الذي فضله واختاره وائتمنه النظام، ما دفع الشعب الليبي إلى أن يقول كلمته ليضع حدًّا لذلك.

إن الثروات الليبية الهائلة كان يمكن أن تنقل ليبيا إلى مصاف الدول المتمدنة والمتحضرة، وكان بالإمكان أن نرى ليبيا تضارع ماليزيا وسنغافورة أو حتى اليابان وكوريا الجنوبية.

وإزاء التقدم الذي أحرزه الثوار على الأرض يتزامن معه تحرك دولي لرفع تجميد الأصول الليبية المجمدة لدى كل من الولايات المتحدة وأوروبا بهدف مساعدة المجلس الوطني الانتقالي في تسوية الأوضاع واستقرارها، وإرساء أرضية سياسية وأمنية مشتركة يمكن البناء عليها من قبل جميع أطياف الشعب الليبي، خاصة وأن المرحلة الانتقالية تعد من أصعب المراحل بعد سقوط أي نظام، لا سيما إذا كان النظام قائمًا على حكم الفرد ويقضي على كل منافس له.
 
وتعتزم كل من الولايات المتحدة وأوروبا الإفراج عن بعض من الأرصدة الليبية التي تقدر بعشرات المليارات ـ تفاوتت بين 110 إلى 160 مليار دولار حسب تقديرات مصرفيين ـ والإفراج في هذا الوقت مهم وذلك لتمويل عمليات الإغاثة العاجلة وإعادة الإعمار ودفع رواتب الموظفين والعمال الليبيين وتلبية الحاجات الإنسانية الطارئة، بعد توقف للحياة دام ما يزيد على ستة أشهر (منذ فبراير حتى أغسطس الحالي)، وقد عقد اجتماع دولي أمس في العاصمة القطرية بمشاركة الولايات المتحدة لبحث تقديم مبلغ 2.5 مليار دولار للشعب الليبي.

الاعتقاد السائد والتفاؤل القائم أن إعادة بناء الدولة والمؤسسات قد تبدأ بوتيرة أسرع بخلاف ما حدث في العراق، وذلك لكون أن المجلس الوطني الانتقالي الذي يدير ليبيا حاليًّا يضم عددًا من الشخصيات البارزة في النظام القديم، إلا أن هذا لا بد أن تتوفر حوله شروط ضامنة لتحققه عبر تشكيل حكومة وحدة وطنية تدير شؤون ليبيا والتركيز على المشاركة السياسية لمختلف فئات المجتمع الليبي، وإقامة بناء سياسي قابل لاستيعاب كافة مكونات الشعب الليبي ويرسم خطوطًا واضحة في التعامل مع المجتمع الدولي، بحيث يعيد وضع ليبيا على الخارطة السياسية والاقتصادية ولعب دور مؤثر، سواء على الصعيد العربي أو الإفريقي أو الدولي، وبخلاف ذلك فإن كل ما قاتل عليه الليبيون وضحوا بأرواحهم من أجله لإسقاط النظام يبقى غير ذات قيمة وبلا هدف، لأن عجلة البناء وحركة الاقتصاد لا تسير إلا بما ذكرناه آنفًا.

على الجانب الآخر يبقى الدور الدولي وتحديدًا الغربي في مساعدة الشعب الليبي بارزًا ومقدرًا وله مكانته في مشاعر المواطن الليبي، إلا أن هذا لا يعني السماح بجعل أرض ليبيا قواعد عسكرية لحلف شمال الأطلسي وغيره، كنوع من رد الجميل، فرد الجميل له مجالاته في إعادة الإعمار التي هي كفيلة بالمكافأة ورد الجميل.