طويت صفحة «الجماهيرية العظمى» وذهبت ثورة الفاتح من سبتمبر هي «وقائدها», الذي سرق الثورة وفتك بزملائه وأفقر شعبه وإزدراه.. الى مزبلة التاريخ, بعد أن فشل في اقناع الليبيين رغم مرور اربعة عقود ونيّف بأنهم يعيشون فعلاً في «جماهيرية» الحكم فيها للشعب, فيما يرون بأم أعينهم تحول البلاد الى مزرعة تمتلكها العائلة والاصهار والوعاظ والمنافقين وحاملو المباخر..

لكن كل هذا, ورغم الأشهر الستة التي انقضت على انتفاضة السابع عشر من (فبراير), فإن مستقبل ليبيا الجديدة, وبعد انهيار نظام القذافي (أو في طريقه الى الاندثار), يبدو مسربلاً بالغموض والشكوك وانعدام اليقين, بعد أن بدأت الامور في صفوف الثوار على وجه الخصوص تأخذ منحى آخر, يكاد لا يختلف عن كل ما تحفل به مسيرة الثورات الشعبية أو تلك التي تبدأ عفوية ثم لا تلبث بعض الجهات أو العواصم الاقليمية أو الدولية, وخصوصاً الاحلاف العسكرية ورهط الداعمين, بتلميع هذه الشخصية أو تلك والاشادة بهذا الحزب/التنظيم/ الحركة او ذاك, ثم يبدأ التشكيك بجهات اخرى على نحو يمهّد لانقلاب في موازين القوى أو التأسيس لتيار سياسي واقتصادي لا يتردد في اعلان برامجه «المستقبلية» وهو الذي لحظناه في مسيرة «ثورة 17 فبراير» التي ستبدأ صورتها بالوضوح, بعد أن يسيطر المجلس الوطني الانتقالي على الحكم, وبعد ان تبدأ عملية بناء الدولة الجديدة التي ستكون على رأس اولوياتها خطة اعادة البناء (.. ) ثم تلزيمات النفط والغاز ودائماً في منح الافضلية لشركات الحلفاء الذين دعموا الثورة، وسيكون لفرنسا على وجه الخصوص الجزء الاكبر من كعكة النفط وإعادة الاعمار (هل لاحظتم رفع العلم الفرنسي في الساحة الخضراء بطرابلس مباشرة بعد وصول الثوار؟)
 
دع عنك بالطبع عما ستكون الحال عليه عند اقتسام كعكة السلطة بين التيارات والشخصيات والاحزاب, سواء تلك ذات التوجه الديني بسلفييه واخوانه وقاعدته ومجاهديه أم تلك المنظمات والهيئات والجبهات التي ترعرعت في العواصم الغربية وبخاصة باريس ولندن ونيويورك وروما وبروكسل..

اضافة الى حصة القبائل وما سيصاحبها من إقصاء او تهميش لتلك القبيلة/ القبائل التي استفادت من نظام القذافي وارتفاع في قيمة وانصبة القبائل التي عاشت على الهامش طوال اربعة عقود، ولا داعي للتذكير ايضاً بضغوط الاقليات العرقية التي برزت مطالبها مباشرة بعد ثورة السابع عشر من شباط وفي المناطق المحررة خصوصاً على ما ابرزه «امازيغ» تلك المناطق.

لا يُقصد من ذلك الايحاء بان الفوضى ستكون العنوان الابرز في ليبيا ما بعد القذافي، وان كان المشهد الليبي سيكون مرشحاً اكثر من غيره, لان يدخل في تيه طويل ومعقد يكاد يسبق في خطورته المشهد العراقي بعد الاحتلال الاميركي البريطاني في نيسان 2003..

ليس صدفة والحال هذه, أن يخرج أمين عام حلف شمال الاطلسي راسموسن على الناس, غداة انهيار نظام القذافي, ليدعو المجلس الانتقالي للعمل على بقاء البلاد «موحدة» ويركز في شكل لافت على اهمية المصالحة وتجنّب سفك الدماء والمعاناة, إضافة الى الرطانة الغربية المعروفة عن بناء ليبيا جديدة تقوم على الحرية وليس الخوف وعلى الديمقراطية وليس الديكتاتورية الى باقي الاسطوانة المشروخة..

ليبيا الجديدة, أمام اختبار حقيقي, فحلف شمال الاطلسي لن يتخلى عن دوره بسهولة والذين امسكوا بالمشهد تحت ذريعة حماية المدنيين, هم الذين سيكتبون جدول أعمال ليبيا ما بعد القذافي.. وسيبقى السؤال.. أين من هنا؟ قائماً حتى يستبين الليبيون خط الثورة من خط المصالح والتحالفات والارتهانات, والوقت في ما نحسب لن يطول..

تذكروا ما حدث لعبدالفتاح يونس؟

Kharroub@jpf.com.jo

محمد خرّوب