أن تكتشف موهوبا فهذا أمر سهل، لكن أن تضع برنامجا نوعيا لرعاية هذا الموهوب فهو الأمر الأهم.. أن تستمر في العناية وأن توسع مداها، وأن تتواكب العناية مع المستجدات، كل هذا يتطلب حاضنات من نوع خاص تتوفر لها الإمكانات مثلما تتوفر لها الخطط والبرامج، فالرعاية والاستثمار في المجال البشري، وبالذات في مسألة صقل المهارات والمواهب، لا يمكن أن يكون بالأسلوب العشوائي والنوايا الطيبة فقط.
هذا كلام عام، لكن كلما التفتنا حولنا وجدنا أن هناك نواقص كثيرة لا تتيح تحقيق الأهداف والآمال المراد الوصول إليها.
لدينا مراكز رعاية موهوبين، ولدينا اهتمامات في مجالات واسعة، لكن وكما يبدو تغيب عنها الخطط المنهجية والمدروسة بعناية. الأمر الآخر هو أن بعضها لا يسير إلى الأمام ولا يتطور، بل يقف مكانه لقلة الإمكانات أو لتشتت الجهود. فنشعر أن هناك اهتماما من نوع ما، لكنه لا يؤتي أكله حسب المأمول والمراد، ولا يصيب الهدف الذي نصبو إليه.
كنت قبل أيام أشاهد الحلقة الأخيرة من برنامج «نجم الخليج» على شاشة تلفزيون دبي، شاهدت دموع المتسابقين، والمدربين الذين رافقوا المشاركين طيلة المدة التي عاشوا فيها أجواء التدريب والتسابق، وشاهدت تتويج اليمني الشاب فؤاد عبد الواحد بلقب نجم الخليج، وشاهدت دموع هذا الشاب لحظة التتويج وقبلها.
وهو يوجه الشكر لتلفزيون دبي على تمكينه من تحقيق طموحاته وأحلامه في مجال الغناء، وكان حضور العمالقة الكبار، عبد الله رويشد وفايز السعيد، وحسين الجسمي ضيف الحلقة، والمطربة أنغام، وهم يزفون إلى ساحة الغناء العربي صوت شاب جديد، ويباركون لشركائه في المنافسة.
كانت الحلقة مفعمة بالمشاعر، وناجحة بكل المقاييس، مثلما كان البرنامج في دورته الحالية ودوراته السابقة قد نجح في الدفع بأسماء من الشباب والشابات إلى ساحة الغناء.
شاهدت تلك الحلقة ووجدت نفسي أعود إلى الوراء لأكثر من عقد ونصف من الزمن، في تلك الفترة كنت أعمل في قسم المنوعات وكانت علاقتي متوطدة بالساحة الغنائية المحلية، كنت أجري اللقاءات مع المطربين الشباب في الساحة ومع الموسيقيين.
وأجري بعض التحقيقات عن الإهمال الذي يعيشه هؤلاء في ظل غياب مؤسسة راعية وداعمة للمواهب الغنائية والموسيقية، كان فايز السعيد وحسين الجسمي أيامها يبحثون عن مكان مناسب أو منصة لإطلاق إبداعاتهم ومكنون حناجرهم، كانوا هم في عمر اليمني فؤاد عبد الواحد يعتمدون على إمكاناتهم الفردية، يدندنون أغنياتهم الأولى.
ولا من مجيب، أتذكر حسين الجسمي أمام مقهى الفنانين في سيارته الصغيرة، يشكو من غياب الرعاية ويبحث عن من يمد له يده ليستثمر إحساسه الجميل في الغناء وصوته الصافي النابع من وديان خورفكان، أتذكر مجموعة شعراء وملحنين يتوالون على ذلك المقهى، من يحمل في جيبه قصاصة أغنية، أو من يدندن لحنا.. كانت سنوات شتات. لكن هؤلاء النجوم بنوا تاريخهم ومجدهم بأيديهم، وحفروا في الصخر حتى وصلوا..
في تلك الحلقة كان حسين الجسمي النجم الضيف، وكان فايز السعيد عضو لجنة التحكيم مع زملائه يفتحون الدرب أمام جيل من الطاقات..
على غرار نجاح نجم الخليج، نستطيع أن نخلق حاضنات في بقية مناحي الإبداع.