هناك، في فلسطين المحتلة في 1948، وتحديداً في دار الأوبرا في مدينة طَمْرَة في الجليل، تمَّ احتفالٌ كبيرٌ لتكريمِ شخصياتٍ وفاعلياتٍ فلسطينية في الطبِّ والرياضةِ والإعلامِ وميادينَ أُخرى، وتكريمِ رجلِ الأعمالِ والناشطِ الوطنيِّ منيب المصري (76 عاماً) باعتبارِه شخصية فلسطين في 2010، واختارتهُ لهذا اللقب مؤسّسةٌ اعتباريةٌ، «لمبادرتِهِ في تعزيزِ التواصلِ مع الوسطِ العربيِّ داخلَ الخطِّ الأخضر، ووجودِه المتميّز في العام 2010.

ولجهودِهِ في تعزيزِ اللُّحمةِ بين أبناءِ الشعبِ الواحد، بالإضافةِ إلى جهودِهِ الحثيثةِ لإتمامِ المصالحةِ بين حركتي فتح وحماس، واستعادةِ الوحدةِ بين الضفةِ الغربيّةِ وقطاع غزة».

ومع التهنئةِ الواجبةِ للمصري على هذا التقديرِ الجديدِ الذي يستَحقِّه، تَحْسُنُ تهنئةُ «مؤسّسَة تكريمِ شخصيّةِ العام في الوسط العربي»، ورئيسِها التنفيذيِّ كمال الحسيني، ورئيسِ لجنةِ التحكيم القاضي فارس فلاح، على الاختيارِ الذي في محله، إذ يجمعُ «أبو ربيح» في شخصِهِ تكويناتِ الفلسطينيِّ في الشتاتِ وفي الضفةِ الغربيةِ وقطاع غزة والداخلِ العربيِّ في 1948.

وهو من طرازٍ فريدٍ في الزمنِ الفلسطينيِّ الخربان الراهن حين يُلحُّ، بهمّةٍ ودأبٍ مشهوديْن، على وجوبِ تأكيدِ أنَّ الشعبَ الفلسطينيَّ واحدٌ، مهما تنوّعَت مطارِحُ شتاتِه وإقاماتِه واختلفت تنويعاتُ احتلالِ أرضِه وتعدّدَت جنسياتُ بنيه، لأنَّ مشروعَهُ الوطنيَّ واحد.

وكانَ صائباً قولُهُ في احتفالِ التكريمِ (الرائقِ والواسعِ كما بيَّنت صُوَرُه) إنَّ هذا المشروع يمرُّ الآنَ في أخطرِ مراحلِه، كما جاءَت ثمينَةً إشارتُه إلى أنَّ فلسطينيي الداخل جزءٌ من هذا المشروع. وكان جوهرياً قولُه إنَّ الشعبَ الفلسطينيَّ أحوجُ ما يكونُ اليومَ إلى الوحدةِ بين جميعِ فئاتِه، أينما كان.

يوصَفُ منيب المصري بأنّه أَثرى رجلٍ في فلسطين، وخلعتْ عليه «إندبندنت» البريطانيةُ مرّةً لقبَ «ملك الضفة الغربية»، وفي وُسْعِهِ أنْ يعتزَّ بذلك، لمُثابرتِهِ وعصاميَّتِه في كفاحِه الشخصيُّ، منذُ يفاعتِه ودراستِه الجامعيّة في الولايات المتحدة، مروراً بمسارِ أعمالِه في غيرِ بلدٍ عربيٍّ (تسلمَ وزارةَ الأشغال في الأردن في 1976)، وليس انتهاءً بمشاريعِه التنمويةِ والاستثماريةِ في فلسطين بعد 1994.

وفي الأَثناء، كانت له مسؤولياتٌ وطنيٌّة وسياسيّةٌ ضمن منظمة التحرير، وفي هيئاتٍ وتشكيلاتٍ شعبيةٍ فلسطينيّة، وعَرَضَ عليه ياسر عرفات، رفيقُهُ منذ تعارفا في الجزائر في خواتيم الستينات، غيرَ مرَّةٍ، أنْ يكونَ رئيسَ وزراء، غيرَ أنَّه آثَرَ أنْ يبقى على استقلالِيَّتِه الخاصّة، وأنْ يحمي حريةَ حركتِه ومبادراتِه وفاعليتِه.

ولا يُغْفَلُ هنا الدورُ التنمويُّ الناهض الذي تُباشرُهُ «شركةُ فلسطين للتنميةِ والاستثمارِ المحدودة» (تاديكو) التي أسَّسَها، وتقومُ في عملِها الاستثماريِّ على إعادة بناءِ البنيةِ التحتيةِ للاقتصاد الفلسطيني.

ولا يُغفلُ أيضاً عن «منتدى فلسطين» الذي أسَّسَهُ وإخوةٌ وأبناء عمومةٍ وزملاءُ له، انضمّت إليه شخصياتٌ في الوطن والخارج، وينشطُ، بعيداً عن الحزبيةِ، في الدعوةِ إلى بناءِ المؤسساتِ القويةِ والفاعلةِ في الأراضي الفلسطينية، وإلى وجوبِ الإصلاحِ الذي يراهُ مهندسُ البترول، منيب المصري، حاجةً فلسطينيةً مُلحّة.

لا يستقيمُ الحديثُ عن «رجل فلسطين 2010»، من دونِ تثمينِ جُهدِه الأنظف، والأكثر شعوراً بالمسؤوليّةِ الوطنيةِّ من بين جهودٍ أخرى، لإنجاز المصالحةِ بين «فتح» و«حماس»، أو بتعبيرٍ أصَحّ، لإنهاء الانقسام السياسي بين الضفة الغربية وقطاع غزة، والذي لا نملُّ من وصفِه، للمرّةِ المليون ربما، بأنّهُ مخزٍ، ويعيبُ الحركتين العتيدتين معاً، ولا مجازَفةَ في القولِ إنّه يُعيبُ كلَّ فلسطينيٍّ أينما كان. حاوَرَ منيب المصري الجميعَ في رام الله وغزّة ودمشق والقاهرة، وقال إنَّ المصالحةَ ضرورةٌ فلسطينيةٌ وليست خياراً.

ولأنَّه أعرفُ من غيرِه بأسبابِ استعصاءِ المصالحةِ (المشتهاة؟)، ندعوهُ إلى بقِّ البحْصَة، وإعلانِ كلِّ ما يعرفُ عن هذه الأحجيةِ المقيتة، بمناسبةِ استحقاقِه، عن جدارةٍ مؤكّدةٍ، لقبَ شخصية فلسطين 2010، من مؤسسةٍ في الداخل الفلسطيني، وهذا مصدرُ غبطةٍ مضاعفةٍ، له ولنا.