فشلت المحادثات المباشرة بشأن المستوطنات، والآن تجري المحادثات غير المباشرة حول القضايا الأساسية. ولكن إذا كان رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو لا يستطيع الوصول إلى شيء إيجابي بشأن المستوطنات، التي وصفها بأنها «قضية هامشية»، فكيف يمكن أن يصل إلى اتفاق بشأن مشكلات أكثر اتساماً بالطابع الجوهري؟ عاد جورج ميتشل، المبعوث الأميركي الخاص للشرق الأوسط، إلى المنطقة أخيراً، بعد أيام فقط من اضطرار الولايات المتحدة إلى التخلي عن محاولتها في إطار المحادثات المباشرة بين القادة الإسرائيليين والفلسطينيين. وإذا لم يكن هناك وصف آخر للأمر، فإن الولايات المتحدة تعاني في سعيها للسلام.

رحلة ميتشل في أعقاب هذا الفشل، تعيد إلى الأذهان تعليقاته في أغسطس الماضي، عندما أعلن إطلاق المفاوضات المباشرة بين نتانياهو ورئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس. ورداً على الصحافيين المشككين، استحضر «ميتشل» الطريق الطويل إلى السلام في ايرلندا الشمالية وجنوب إفريقيا والبوسنة، وقال «الأمر يتطلب الصبر والمثابرة، والاستعداد للعودة مراراً وتكراراً، وعدم أخذ الرفض الأول كرد نهائي، أو الرفض ال50 كرفض نهائي أو الرفض ال100».

لقد تجاوز العالم حساب عدد المرات التي حاولت فيها الولايات المتحدة تسهيل إقامة دولة فلسطينية مسالمة، منذ الحرب العربية الإسرائيلية عام 1967، عندما استولت إسرائيل على الضفة الغربية وغزة والقدس الشرقية.

هذه المرة الأخيرة انتهت بالفشل المحرج، حيث عجزت الولايات المتحدة عن حمل إسرائيل على تجميد بناء المستوطنات لمدة ثلاثة أشهر، وهو شرط فلسطيني لإجراء محادثات مباشرة، رغم حزمة مساعدات أمنية ووعود دبلوماسية أكثر من سخية لإسرائيل. يتمثل قدر كبير من التعليق، في أن الفشل جعل الرئيس أوباما يبدو ضعيفاً. في الواقع، فإنه يظهر نتانياهو باعتباره ضعيفاً سياسياً، وغير قادر على تحريك الائتلاف الذي يقوده، وغير مستعد للمخاطرة بحكومته من أجل ما يبدو في مصلحة إسرائيل على المدى الطويل. الآن، تعود الولايات المتحدة إلى دبلوماسية مكوكية في المحادثات غير المباشرة، رغم أنها أكثر قوة على ما يبدو. وقالت وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون في خطابها أخيراً «إننا سوف ندفع الطرفين للتعامل مع القضايا الجوهرية». وتأتي ضمن قائمة كلينتون مسائل تتعلق بالحدود والترتيبات الأمنية، المستوطنات، والمياه، واللاجئين، والقضية الأشد صعوبة وهي وضع القدس، التي يزعم كل جانب أنها عاصمة له. سوف يكون هذا المسار بمثابة اختبار لالتزام نتانياهو المعلن بشأن التوصل إلى حل الدولتين. فإذا لم يستطع الموافقة على مشكلة «هامشية»، فكيف له أن يحمل حكومته على تقديم تنازلات حول القضايا الجوهرية؟ من الواضح أن إدارة أوباما في مرحلة جديدة من عملية صنع السلام في الشرق الأوسط، يمكن أن يتم تقديم مساعدة لأوباما في الضغط على إسرائيل إذا قام المزيد من الدول، إلى جانب البرازيل والأرجنتين، بالاعتراف بدولة فلسطين، وإذا تحركت أوروبا لفرض عقوبات محددة على إسرائيل بسبب استمرارها في بناء المستوطنات، حسبما اقترح 26 مسؤولاً أوروبياً سابقاً.

وتفسير هذا، على أية حال، هو أن الأطراف لا يمكنها صنع السلام بمفردها، إنما هي تحتاج إلى عامل لتيسير التخفي وراءه وممارسة الدفع. ونظراً للضرر الذي وقع على الولايات المتحدة على يد الإرهابيين الذين يستغلون محنة الفلسطينيين كذريعة، فإن واشنطن لديها حافز للتدخل حتى لو كانت الأطراف أقل حماسا بشأن التوصل إلى اتفاق سلام. لقد علم فريق أوباما لتوه أنه لا يمكن الفوز بصفقة بشأن المستوطنات، وسوف يرى ما إذا كان يمكن إحراز تقدم من خلال مواصلة المرحلة النهائية حول القضايا الجوهرية. يمكن للعالم أن يشعر بالامتنان لأن هذا الفريق ليس على استعداد لأخذ كلمة «لا» كرد، وأنه لا يزال يحاول.