ترى ما هي أسباب فشل التيار الناصري في مصر؟ ولم إذا لا يوجد حزب قوي ونشيط في مصر يحمل اسم عبد الناصر، في الوقت الذي ظهرت فيه أحزاب وتيارات ناصرية قوية وفعالة في بعض الدول العربية الأخرى؟

ربما يكون للأنظمة الحاكمة والضغوط الخارجية دور في هذا الأمر، ولكن من المعروف أن النظام المصري سمح بأكثر من حزب ناصري، بعضها رسمي وبعضها تحت التأسيس، ورغم هذا لا يسمع أحد شيئا عن هذه الأحزاب الناصرية، ولا يرى لها أي دور على الساحة السياسية.

فقط، مثلها مثل باقي أحزاب المعارضة المصرية، نرى أخبارها في الصحف عندما تثور الخلافات بين قياداتها، وحتى صحيفة الناصريين الوحيدة لا تختلف كثيرا عن باقي الصحف المعارضة والمستقلة الكثيرة في مصر، ولا تعكس التيار والفكر الناصري بقدر ما تعكس الحرفية الصحافية للقائمين عليها.

لقد حمل التيار الناصري في مصر منذ بداياته في أواخر السبعينات عوامل فشله، فقد ظهر بداخله منذ البداية صراع الأجيال والقيادات، حيث رفض الكثير من القيادات الشابة، التي خرجت من نوادي الفكر الناصري ومن الجامعات في السبعينات، أن يعطي الفرصة لبعض وجوه النظام القديم من الذين كانوا في السلطة في عهد عبد الناصر ليقودوا الحركة الناصرية.

وذلك بحجة سوء سمعتهم ومسؤوليتهم عن أخطاء كثيرة سابقة، وقد يكون معهم الحق في ذلك، لكن كان من المنتظر ومن الضروري آنذاك أن يلتف هؤلاء الشباب وهذا الجيل حول قيادة من بينهم يتفقون عليها، لكن هذا لم يحدث، بل على العكس كانت الصراعات بين القيادات الشابة أشد من صراعاتها مع الكبار من الجيل السابق.

ورغم هذا استطاع التيار الناصري أن يتواجد إلى حد ما في الشارع المصري، ربما حتى منتصف الثمانينينات، وكان له تواجد كبير وفعال في نقابات المحامين والصحافيين واتحادات العمال وفي الجامعات وغيرها، ثم جاءت سنوات التسعينات لتشهد تراجعا كبيرا لهذا التيار على الساحة، وتحوله إلى ما يشبه الدكاكين تحت لافتات أحزاب وهمية لا قاعدة لها في الشارع المصري.

وليس صحيحا أن النظام المصري هو الذي فعل ذلك، بل جاء كل هذا من داخل التيار نفسه، فقد كبرت القيادات الشابة، وذهب كل منها يؤسس لنفسه حزبا أو «دكانا» على مقاسه الخاص، بدون أي برامج أو خطط عمل جماهيري، ولم تكن لها أية قواعد في الشارع المصري، فقد انفض التيار الناصري الذي تجمع في السبعينات والثمانينات وتشتت، بعد أن امتلأ يأسا بقياداته التي ابتعدت تماما عن العمل الجماهيري .

وذهبت تساوم النظام على المقاعد النيابية والامتيازات التي تمنحها الحكومة للأحزاب ومكاتبها وصحفها، ورغم هذا كان الناصريون الأقل في الامتيازات بسبب تشتتهم وتفرقهم في «دكاكين» مختلفة ومتصارعة فيما بينها.

أذكر أنه في عام 1986 قام الحزب الاشتراكي العربي الناصري «تحت التأسيس»، بتنظيم مؤتمر شعبي في قرية «تلبانة» الصغيرة في محافظة الدقهلية، والتي تبعد عن القاهرة بأكثر من مائة كيلو متر، ويصل القرية بالطريق العمومي المسفلت طريق ترابي ضيق طوله أكثر من خمسة كيلومترات.

ورغم هذا حضر هذا المؤتمر ما يقرب من عشرة آلاف شخص من العديد من مدن مصر وقراها، وأذكر مشهدا آخر في عام 2001 عندما ذهبت لحضور احتفال ينظمه الحزب الناصري «الرسمي» في ذكرى ثورة يوليو في مقر الحزب وسط القاهرة، ولا أبالغ إذا قلت إن عدد الذين حضروا الاحتفال لم يتجاوز ثلاثين فردا، منهم نحو عشرة من قيادات الحزب جلسوا جميعا على المنصة.

الآن يتصارعون على قيادة هذا الحزب خلفا لرئيسه العجوز الذي «أخيرا» قرر التقاعد لعدم مقدرته على العمل، ولا أدري على ماذا يتصارعون، لا بد أن هناك ما يغريهم ويستحق الصراع من أجله، لكنه بالقطع ليس العمل العام ولا قيادة التيار الناصري في بلد عبد الناصر.